بداية سيرورة ثورية طويلة الأمد

27 février 2012 23 h 59 min 0 comments

من أراد البحث في ما ميّز منطقتنا العربية عن سائر مناطق العالم، سعياً وراء تفسير للانفجار الثوري العظيم الذي نشهده في عموم بلداننا، لا بدّ أن يلاحظ أمرين، غالباً ما يُغفل ثانيهما. الأمر الأول، الجليّ، هو أنّ منطقتنا تحتوي على أكبر تركّز عالمي لأنظمة استبدادية في رقعة جيوسياسية واحدة، أما الثاني فهو أنّها تحوز ــ ومنذ عقود عديدة ــ على أعلى مستويات البطالة العالمية (بما في ذلك بطالة متخرجي التعليم العالي، وقد ارتفعت نسبتها في تونس من 5 بالمئة عند استيلاء بن عليّ على السلطة في 1987 الى ما يفوق 22 بالمئة اليوم).
ولا تتميّز منطقتنا بأعلى مستوى عالمي للبطالة النسائية ــ وهي أحد أوجه تخلّفنا البارزة ــ وحسب، بل تتميّز أيضاً بأعلى مستوى عالمي لبطالة الشبان والشابّات، الذين تعرّفهم الإحصائيات العالمية بأنّهم دون 25 من العمر. فإنّ معدّل بطالة الشباب يبلغ نحو 24 بالمئة في ما تسمّيه الوكالات الدولية «الشرق الأوسط وشمال أفريقيا»، في حين لا يتعدّى 12 بالمئة في أفريقيا جنوبي الصحراء و15 بالمئة في آسيا الجنوبية، وهما أفقر بدرجات من منطقتنا وأكثر اكتظاظاً بالسكان.وهذه الأرقام مستمدّة من الإحصائيات الرسمية التي توفّرها الدول والتي يعلم الجميع أنّها دون الحقيقة بكثير. ثم إنّ «البطالة» هنا محصورة بالذين يعلنون أنّهم يبحثون عن عمل ولم يصرّحوا بأي نشاط اقتصادي، ولو كان لساعة واحدة، خلال الأيام السابقة للإحصاء. وهذا يعني أنّ العدد الكبير للذين واللواتي يئسوا من البحث عن عمل، أو يقومون بتلك الأعمال الهامشية التي يصحّ وصفها بأنّها «بطالة مقنّعة»، لا يظهر على تلك الشاشة.
في هذا المعطى الاجتماعي الأساسي يكمن السرّ العميق للانفجار الثوري العارم الذي اجتاح بلداننا، إذ ينتج نقص الاستخدام القياسي من سوء التنمية، ويعمّقه بدوره في حلقة مفرغة تولّد التهميش الاجتماعي والبؤس المادي والمعنوي. ومن تلك الزاوية، فما شهدناه حتى الآن من انتصارات في تونس ومصر وليبيا لا يعدو كونه طوراً أول للسيرورة الثورية، في بلدان ثلاثة غابت عنها الحريات والديموقراطية بدرجات متفاوتة. فالطور الأول للثورات الثلاث هو طور الظفر بالحريات السياسية وانتزاع الديموقراطية الشكلية المشروطة بتلك الحريات.
لكنّ الديموقراطية الحقّة لا تكتمل إلا إذا اضيفت المساواة الى الحرية، وليست المساواة بالحقوق وحسب، وهي لا تزال مساواة شكلية لا غير، بل أيضاً المساواة بالقدرات المادّية. فإنّ القصور الرئيسي للديموقراطية الغربية، والذي ينعكس في أزمتها العميقة التي تنكشف في انخفاض نسبة الناخبين الفعليين من مجموع الذين يحق لهم الانتخاب، هو في أنّها «خير ديموقراطية يمكن شراؤها بالمال» على حد قول أحد نقّادها الأميركيين. فإنّ العملية الانتخابية في تلك الديموقراطية المنقوصة والوهمية مرتهنةٌ الى حد بعيد بالمال، بما في ذلك الوسائط التلفزيونية، إذ يشكّل التلفزيون أداة الدعاية الرئيسية في مجتمعاتنا المشهدية. ولا نجد محاولات للحدّ من اللامساواة الهائلة التي يُدخلها عامل المال في السياسة والانتخابات سوى في بعض الدول الغربية، حيث تضع الدولة سقفاً لتكاليف الحملات الانتخابية وتساهم في تمويلها وتوفّر للمتنافسين أوقاتاً لعرض برامجهم على شاشات التلفزيون ــ وهي محاولات محدودة الأثر إذا ما قيست بأهمية دور المال في السياسة، لكنّها على الأقل إقرارٌ بالمشكلة.
أما الذي حصدناه حتى الآن في تونس ومصر فهو الديموقراطية الشكلية المنقوصة بدون ضوابط لدور المال فيها، وهي على شاكلة رأسماليتنا الفاحشة. فقد شهد كلّ من البلدين تنظيم انتخابات لمجلس دستوري، سادت فيها بشكل صارخ القدرات المالية. وقد لعبت دوراً بارزاً الموارد التي حصلت عليها الأحزاب الدينية من دول الخليج النفطية، إضافة الى تمتّعها بتغطية مميّزة من أهم شبكة تلفزيونية عربية: قنوات «الجزيرة»، التي لا يُخفى على أحد ارتباطها بأهم الحركات الدينية المذكورة وترويجها لها. ولم يقتصر عامل المال والتلفزيون على الأحزاب الدينية، بل لعب دوراً حاسماً في النتائج الانتخابية التي حققتها قوائم مثل «العريضة الشعبية» التي يتزعمّها محمّد الهاشمي الحامدي في تونس أو كتلة «حزب المصريين الأحرار» الذي يتزعمّه نجيب ساويرس، وكلّ منهما يملك بين ما يملك قناة تلفزيونية مهمّة.
ولا عجب من أن تكون الأحزاب الدينية ــ بمواردها الهامة التي انضافت الى الشهرة الناجمة عن تشكيلها قوة المعارضة الرئيسية خلال العقود المنصرمة (والشبكة التنظيمية الضخمة التي بنتها على مرّ السنين في مصر)، فضلاً عن استغلالها الديماغوجي للدين ودغدغدتها السهلة لعواطف المؤمنين والمؤمنات ــ لا عجب إذاً من أن تكون هذه الأحزاب قد أصبح هاجسها الرئيسي الإسراع في إجراء الانتخابات في كل من تونس ومصر بعد إطاحة الطاغية، متحجّجة بأنّها تريد الإسراع في تكريس «الثورة» والحؤول دون الالتفاف عليها، بينما هي في الواقع مستعجلة لقطف ثمارها قبل أن يتمكن آخرون من منازعتها تلك الثمار.
أما حاصل الأمر فهو أنّ المشاكل الأساسية التي فجّرت الأوضاع وأطلقت السيرورة الثورية في منطقتنا، والتي تلخّصها خير تلخيص البطالة المزمنة القياسيّة التي تسود عندنا، كادت تغيب عن الهمّ الانتخابي، وقد سيطرت عليه إغراءات «الهويّة» الدينية والطائفية والجهويّة (بل القبلية). وقد تحكّمت بالمشهد السياسي قوى لا تختلف «برامجها» (إذا صحّ التعبير) عن واقع النظام السابق في المجالين الاجتماعي والاقتصادي سوى بالشعارات الفضفاضة والوعود الكاذبة التي اعتادها الناخبون عشيّة الانتخابات. وهي وعود وشعارات جوفاء لافتقارها لأي خطة تحقيق جدّية، بل تراهن على جهل الناخبين البسطاء. وتعتصم القوى التي سيطرت على المشهد الانتخابي جميعها بحبل المبادئ النيوليبرالية ــ كأولوية السوق والقطاع الخاص، وحرية التجارة ــ التي أدت ببلداننا الى المستنقع الذي تقبع فيه.
والحال أنّ مشكلة التنمية العميقة التي تعاني منها مجتمعاتنا، فضلاً عن طغيان الريع النفطي على اقتصاديات منطقتنا، إنما هي وليدة طبيعة الرأسمالية السائدة عندنا، وهي رأسمالية الربح السريع التي لا حافز لديها للتوظيف الإنتاجي طويل الأمد الخلّاق للتشغيل بنسب عالية، لا سيّما أنّها تخشى ضعف الاستقرار الذي يميّز الأوضاع العربية. والحقيقة هي أنّ ظروف التغيير الثوري الذي نشهده، وما يرافقها من تصاعد في المطالبة الاجتماعية، من شأنها أن تفاقم امتناع الرأسمالية السائدة عندنا عن التوظيف الخلّاق لفرص العمل. فالحقيقة التي لا مناص منها هي أنّ تنمية اقتصادياتنا لن تتم بالاتّكال على الرأسمال الخاص، بل تتطلّب القطيعة مع النموذج النيوليبرالي وإعادة الدولة والقطاع العام الى موقع قيادة التنمية، وذلك بتسخير ثروات البلاد لهذا الهدف الرئيسي بواسطة الضريبة التصاعدية والتأميمات.
كان للسياسات التنموية التي سادت في منطقتنا بدءاً من الخمسينات حتى السبعينات، على علّاتها، أثرٌ إيجابي ونتائج اجتماعية أفضل بكثير من نتائج السياسات النيوليبرالية التي عقبتها. والمطلوب اليوم إنما هو العودة الى ما كان تنموياً في تلك التجارب بدون ما شابها من استبداد وفساد، في حين أنّ الأنظمة التي تلتها قامت على التخلّص من السياسات التنموية مع الإبقاء على الاستبداد والفساد، بل مفاقمة الفساد الى أقصى الحدود. والحال أنّ اعتياد الجماهير التعبير عن إرادتها في الميادين والساحات منذ أن انطلقت الثورة من سيدي بوزيد، إنما يوفّر أهم شروط الرقابة الشعبية الديموقراطية على تركّز طاقات الأمة بأيدي الدولة ــ هذا التركّز الذي لا بدّ منه كي تدخل المنطقة العربية في مرحلة التنمية بدون فساد، بعد مرحلتي التنمية بفساد والفساد بدون تنمية اللتين تتالتا منذ الخمسينات. والحركة العمّالية، لوجودها في صلب العملية الانتاجية ولتجميعها معارف وخبرات الطبقة العاملة، هي المؤهلة بامتياز لممارسة الرقابة الجماهيرية على سياسات الدولة التنموية، شرط أن تكون حركةً حرّة ومستقلّة.
ونحن نعلم الدور الحاسم الذي لعبته الحركة العمّالية، في تونس ومصر على حدّ سواء، في تحقيق الطور الأول للثورة المتمثل بإسقاط الطاغية، ثم تكنيس رموز ومؤسسات النظام السياسي القديم. فلا أحد يستطيع أن يتغافل عن الدور الأساسي الذي لعبه الاتحاد العام التونسي للشغل في هذا المجال، ولا عن دور حركة الإضرابات العمّالية التي أخذت تتّسع في الأيام السابقة لتنحّي حسني مبارك، وقد بنت تنظيمها النقابي إثر ذلك بحيث بلغ عدد المنتسبين الى الاتحاد المصري للنقابات المستقلة في أشهر قليلة ما يناهز المليون ونصف المليون. وهنا تكمن عقدة السيرورة الثورية التي نحن في صددها: فإنّ الحركة العمّالية التي مهّدت نضالات نسائها ورجالها للثورتين في تونس ومصر، ولعبت فيهما دوراً حاسماً، قد غابت تماماً عن المسرح الانتخابي. غابت عنه مادّياً، إذ لا تحوز على تمثيل سياسي ولم تخض بالتالي في المعركة الانتخابية، بينما هي القوة التقدّمية الوحيدة التي تتمتّع بجذور شعبية وامتداد وطني تجعلها قادرة على التغلّب على الأحزاب المحافظة واحتلال مركز الصدارة في قيادة التغيير الثوري المنشود. وغابت عنه سياسياً، إذ كادت القوى التي هيمنت على المشهد الانتخابي تتجاهل مشاكل الطبقة العاملة ومطالبها، وقد أحالتها الى مرتبة ثانوية جداً في أحسن الحالات.
وينطبق الأمر ذاته على الحراك الشبابي، ذي المشاركة النسائية الملحوظة، الذي كان هو المبادر في إطلاق الانتفاضات والثورات ولا يزال يقف في طليعتها في كل مكان، وقد كاد يغيب تماماً هو أيضاً عن المسرح الانتخابي. فهيمنت على هذا المسرح تشكيلاتٌ سياسية يشرف عليها رجالٌ مسنّون وتنادي بنظام أخلاقي متزمّت وثقافة تجهيلية ظلامية أبعد ما يكونان عن تطلّعات الغالبية الساحقة من شبيبة الحراك الثوري.
وباختصار، فنحن نقف أمام فصام اجتماعي تاريخي بين طبيعة القوى التي مهّدت للحراك الثوري وبادرت الى تفجيره ودفعت نحو تجذيره في اتجاه تكنيس مؤسسات النظام القديم، من جهة، وطبيعة القوى التي هيمنت على المشهد الانتخابي وفازت بغالبية مقاعد التمثيل البرلماني، من الجهة الأخرى، وهي قوى التحقت جميعاً بركاب الحراك الثوري بعد انطلاقه، بل بعد انتقادها للذين أطلقوه. وهو فصامٌ بين طبيعة المشاكل العميقة التي نجم عنها الانفجار الثوري والتي يعاني منها العمّال والمهمّشون والنساء والشبان، من جهة، وبين القوى التي تتصدّر الآن المشهد السياسي والتي تحاول اختزال المعركة الى صراع بين «العلمانية» و«الإسلام» الذي تدّعي تمثيله، والذي تقدّمه على انّه «الحل»، وهي بذلك تكرّس صحّة المقولة التي انتقدت استخدام الدين أفيوناً للشعب لإلهائه عن مواجهة المشاكل الأساسية التي يعاني منها.
وطالما لم يتم تخطّي الفصام المذكور، وذلك يكون في المقام الأول من خلال بناء التمثيل السياسي للحركة العمّالية ودخولها المعترك الانتخابي وصولاً الى سدة الحكم بالتحالف مع تشكيلات التنظيم الذاتي النسائي والشبابي المستقلّة، فإنّ أسباب الانفجار الثوري لن تضمحلّ بل سوف تتفاقم، بما يضمن أن تكون السيرورة الثورية التي انطلقت شرارتها الأولى من سيدي بوزيد في 17 كانون الاول/ديسمبر 2010 سيرورة طويلة الأمد حقاً.
مقال لجلبير الأشقر وهو أستاذ في معهد الدراسات الشرقية والأفريقية في جامعة لندن (نص مداخلة قُدّمت في مدينة سيدي بوزيد التونسية بدعوة من «لجنة الاحتفال بالذكرى الأولى لثورة 17 ديسمبر 2010»)
المصدر :
الأخبار
توضيح : ارتأينا أن نعرض على زوار موقع مامفاكنش، من حين لآخر، بعض من المواضيع التي تهم المسلسل التغيير الإجتماعي والديمقراطي في بلدان المشرق والمغرب. نستهل هاته المقالات بهاذا الجزء من مداخلة جيلبير أشقر في تونس. الآراء المعبر عنها في هذا النص لا تعبر بالضرورة عن موقف مامفاكنش.
L’article en français

Leave a Reply