المـغرب: حرب أهلـية في المــدرسة؟

11 février 2013 21 h 25 min 0 comments

Share this Article

Author:


في قاعة الدرس، يوم 24 كانون الاول/ديسمبر 2012، كان الأستاذ يكتب على السبورة، فهاجمه تلميذ من الخلف بسلاح ابيض… طعنه عدة مرات. سقط الأستاذ أرضا وهرب التلميذ. كان الحدث صدمة، وقد زار رئيس الوزراء ووزير التعليم الاستاذ الجريح لأنه يقطن في ضواحي العاصمة. يوم الثاني من كانون الثاني/يناير 2013، قُتل تلميذ على يد زميله في مؤسسة للتكوين المهني بمدينة سلا، الملاصقة للرباط العاصمة. وقد تعرض الضحية للضرب بمفك براغي، سقط أرضا، حصل له نزف في المخ ما تسبب بوفاته.

يوم 10 كانون الثاني/يناير 2013، تعرّضت مَدرسة قروية للتخريب والسرقة مرتين في أقل من شهر، تم السطو على أربعة حواسيب وجرى إتلاف وثائق إدارية. وفي اليوم نفسه، وبالمغرب العميق دائما، اقتحمت مجموعة من الآباء والتلاميذ و«بعض الغرباء» فضاء إحدى الثانويات لمعاقبة استاذ اتّهم بالتحرش بتلميذة. وقد اتصل مدير الثانوية برجال الدرك فحضروا حينا لحماية سلامة الاستاذ والأملاك العامة بالمؤسسة التعليمية. بعد أربعة أيام اعتقل الاستاذ وحكم فورا بثلاثة أشهر حبسا موقوفة التنفيذ.

لاحقا جرى جدل حول حضور الدرك للثانوية. ولا يعرف سبب ذاك الحكم القضائي الغريب. هل هناك مخالفة أم حكم صوري لخفض التوتر. وفي جميع الحالات، تبقى السلامة البدنية للمدرس مهددة لأن المشكل جرى في منطقة ذات نزعة قبلية شديدة. وبالتالي يمكن لأي كان أن يكلف نفسه بالقصاص للشرف…

يوم 17 كانون الثاني/يناير 2013، تعرضت معلمة تعمل في منطقة جبلية وغابوية للاغتصاب من طرف شخصين مجهولين. وقد صرحت المعلمة في المستشفى أن المنطقة لا تعرف نقلا عموميا منظما بل يسودها نقل سري، وهي طلبت من صاحب سيارة مارة توصيلها للمدرسة فدخل بها الغابة.

خلّف تواتر الحوادث استنتاجا بأن المدرسة المغربية تعيش حربا أهلية. خفضت التعليقات في الصحف من حالات العنف الأولى بدعوى أنها صادرة عن قاصرين، مراهقين. لكن التنديد كان قويا في حالات العنف الصادرة عن راشدين. وقد خلق ذلك تضامنا آليا بين العاملين في التعليم. وفي كل واقعة أصدرت الوزارة الوصية على القطاع بلاغا بلغة طيب الذكر محمد سعيد الصحاف.

من أين جاء هذا العنف وإلى أين يمضي؟

يتنقل التلميذ بين ثلاثة فضاءات رئيسية: البيت، الشارع، والمدرسة. يفترض أن تُحدث المؤسسة التعليمية تحولا سلوكيا وثقافيا في حياة التلاميذ. ينتظر أن تفعل ذلك وحدها وهذا وهمٌ. يبدو أن الشارع انتصر على الأسرة والمدرسة. ولتخفيف هذه الخلاصة شكر الكثيرون الله لأنه لا توجد لدينا بندقية لكل مواطن كما في أميركا. وإلا لكان نصف الشعب قُتل.
إذاً نحن بخير.

من يستطيع التعامل بكفاءة مع الشارع؟

أثار استنجاد المدير بالدرك لحماية الثانوية الدهشة. يفكر الكثيرون في تعيين شرطي في كل مؤسسة تعليمية، لكن هذه آراء تقال في الدردشات الثنائية ولا أحد يملك شجاعة المطالبة بها علنا. وهذا حل وهمي آخر. لأن الحل البوليسي يجد عراقيل للتعامل مع قاصر ومراهق يبحث عن البطولة لجلب الأنظار إليه بأي ثمن… ثم إن السجون المغربية تستضيف ضعف طاقتها الاستيعابية.

بقي توجيه الاتهام لآباء وأولياء التلاميذ بدعوى أنهم لا يراقبون أبناءهم بما فيه الكفاية. آخر واقعة جرت في ثانوية بها أكثر من 1000 تلميذ. دعت الإدارة بمعية لجنة تحضيرية لعقد جمعية عامة لتأسيس مكتب لهيئة آباء وأولياء التلاميذ، فلم يحضر إلا أقل من 100 أب. والأخطر أن إدارة الثانوية دعت أولياء التلاميذ للقاء مع الأساتذة بهدف معرفة نتائج الدورة الدراسية الأولى، وإجراء حوار بين ولي كل تلميذ وأساتذته. هنا أيضا لم يحضر 850 ولي أمر. وجُل التلاميذ الذين حضروا رفقة آبائهم أو أمهاتهم كانوا من المتفوقين. بينما تخلف آباء الكسلاء والمشاغبين.

كيف لمن لم يهتم بالنتيجة الدراسية أن يهتم بسلوك ابنه؟ واضح تخلي الآباء عن دورهم. صار انشغالهم بكسب الرزق أهم من توجيه أبنائهم ومراقبتهم.

عززت تلك الوقائع وهذه الخلاصة من روح التضامن بين العاملين بالتعليم، لكن واقعة جديدة خربت تلك الروح. فمساء الاثنين 14 كانون الثاني/ يناير 2013، وبمدرسة ابتدائية، قتل معلم زميله بعد أن وجه له طعنات بواسطة سكين على مستوى القلب. وقد تم اعتقال الجاني من طرف عناصر الآمن. للإشارة، تعمل زوجة القتيل بالمدرسة نفسها وعليها أن تتدرب على العيش بعد الجريمة. أثار الحدث الذهول وخلخل كل التفسيرات الرائجة.

من فرط التكرار سلم الناس بأن العنف أمر عادي. ولشرعنة ذلك يقارنون ما يجري في المغرب بما يجري في دول أخرى، فيستنتجون أن هذا العنف «غير سياسي»، وبالتالي نحن نعيش في الجنة ويستحسن أن نصبر لنحافظ عليها.

في بداية العام، وفي فصل دراسي، لاحظ أستاذ أن تلميذه يحمل سكينا. أخذه منه بصعوبة. وضعه فوق السبورة أمام الجميع وتابع الدرس. في آخر الحصة أخذ التلميذ سكينه وغادر القسم. ستبقى هذه الواقعة غير منشورة في الصحف لأن الأستاذ لم يخبر لا مدير الثانوية ولا الشرطة. فضل التسامح لأن العقاب بدلا من أن يردع يزيد من عنف الأحداث ولا يصلحهم.بعد أيام فكر الأستاذ في ما فعل، فاكتشف أن التسامح لم يكن دافعه الوحيد بل الخوف أيضا. لكن ليس من الرجولة الاعتراف علنا بالخوف… وهذا ما يجعل الخطر يتزايد!

محمد بنعزيز – كاتب وسينمائي من المغرب

النص الأصلي على موقع السفير العربي

Leave a Reply