باحثان مغربيان لـ »أنباء موسكو » : خطيئة حركة عشرين فبراير هي محاولة تماهيها مع ميدان التحرير

18 février 2013 23 h 41 min 0 comments

تعد الدراسة التي أنجزها الباحثان في علم الاجتماع، مونية الشريبي بناني ومحمد الجغلالي إحدى أهم الدراسات عن حراك العشرين من فبراير الذي اعتبر سفير الربيع العربي في المغرب.. وبمناسبة الذكرى الثانية لميلاد الحركة، أجرى موقع « أنباء موسكو » حوارا مع الباحثين، تناولا فيه الصعوبات التي اعترضت الحراك المغربي ومستقبله.

تابعتما الحركة طيلة عمرها الافتراضي  في رأيكما ما أكثر المغالطات المنتشرة في الرأي العام حول الحركة ؟

مونية بناني الشرايبي: إذا سمحتم، أود بداية أن أذكر لكم بعض المزالق التي وقعت فيها من وجهة نظري بعض القراءات الرئيسية لـ »الربيع العربي ».
1-    ركز عدد كبير من المراقبين على « أسباب » هذه الحركات الاحتجاجية. حسب التوجهات الفكرية هناك من ركّز على إحدى المحددات الاقتصادية أو الاجتماعية أو السياسية، وما إلى ذلك.  في كثير من الأحيان، يتم المزج بين جميع المحددات التي يمكن تصورها في محاولة لاستجلاء الواقع. على سبيل المثال، تحدث البعض عن الإحباط لدى الشباب أو العصرنة السريعة للمجتمعات.
يمكننا أن نسرد، لتبيان محدودية هذه القراءات، ادعاءها القدرة على تفسير موقف ما و نقيضه في الآن نفسه: أعمال الشغب، الإسلام السياسي، الهجمات الإرهابية، الافتقار إلى الديمقراطية وحاليا التطلع الديمقراطي. من ناحية أخرى، فإن هذا التركيز على « الأسباب » يؤدي إلى التقليل من أهمية ما يجري خلال الاحتجاج نفسه، كما لو كانت الأمور قدرا محتوما.
2-    تحدثت عدة قراءات عن ثورات  » الويب 2.0″ و « مفعول الدومينو ». في الحالة الأولى، يتم حجب تنوع الوساطات المشاركة في نشوء وتطور الحركات الاحتجاجية. في الحالة الثانية، يتم تجاهل تاريخ مجتمعات المنطقة. إضافة إلى ما سبق،  تتناسى هذه القراءة الأخيرة أن الجميع يتعلم من التجارب السابقة: المتظاهرون و الأنظمة والقوى الدولية « تتعلم » أيضا.
3-    يركز كثير من الناس على الوجوه النمطية مثل الشباب المهمش (المحتقرين) أو  بالعكس « الشباب المعولم و المرتبط بالشبكة ». هناك من أعلن صعود جيل يكون تلقائيا و « متحمسا » في قطيعة مع الأجيال السياسية السابقة أو السياسة الرسمية.
لم تأخذ هذه القراءات في الاعتبار عدم تجانس الائتلافات الاحتجاجية، أو التثاقف بين الأجيال. وبالإضافة إلى ذلك، فإن حجم هذه الحركات لم يكن ممكنا بدون تجاوزها في مرحلة ما للحدود المعهودة بين الأجيال، و الفئات الاجتماعية والاقتصادية والاثنية والدينية والأيديولوجية، وبين « المناضلين » والمواطنين الذين لا يثقون في السياسة، وبين ميادين الاحتجاج  و الساحة السياسية الرسمية، وما إلى ذلك.فيما يتعلق بحركة  » 20 فبراير »، سأذكر فقط بالعبارة الشهيرة: « الاستثناء المغربي ». من وجهة نظري، هذا التصور تم الترويج له من طرف الفاعلين السياسيين المغاربة والدوليين الذين لهم مصلحة في تعميمه قبل أن يتم تبنيه من قبل وسائل الإعلام والباحثين. أعتقد أنه لا يوجد هناك « استثناء مغربي ». يجب أن نعرف أنه في تاريخ البشرية تظل الثورات أمرا نادر الحدوث. علماء الاجتماع المتخصصون في دراسة الثورات أظهروا أن بعض الحالات لا توفر ظروفا مواتية للمفاجآت الثورية: مثل الأنظمة السلطوية التي تستوعب نسبيا شرائح أوسع تحت مظلتها، و تتبنى نسبيا سياسة قمعية محدودة وانتقائية، و التي يأمل في إطارها بعض المعارضين الوصول و لو جزئيا للمؤسسات، و التي تتصف بانضواء قطاع « مؤدلج » يتصف بحس تنظيمي عال تحت مظلة الحركة الاحتجاجية مما يؤدي إلى ظهور مخاوف لدى الأطراف الأقل تنظيما و حركية. ما هو ملاحظ في الحالة المغربية، هو أنه على الرغم من هذه العقبات، تحقق تحالف واسع النطاق في إطار حركة  » 20 فبراير » لمدة سنة تقريبا. و هذا الأمر يحدث للمرة الأولى في تاريخ المغرب منذ الاستقلال.

محمد الجغلالي: هناك أكثر من تصورات افتراضية صنعها الإعلام أو انتظارات الرأي العام حول حركة عشرين فبراير. هذه الأحكام و التصورات لها ما يسندها في الواقع، لكن المشكلة تظل في حالة التضخيم و التعميم اللذان يشوهان الواقع الحقيقي المركب لحركة  » 20 فبراير » الاحتجاجية.
من أهم التصورات المجانبة للواقع  هو اعتبار الحركة لا تملك أهدافا واضحة لها ولا شعارات مركزية وأن هذا الأمر يشكل نقطة ضعف لها.
أولا : يجب التمييز بين عدم الوضوح في شعارات الحركة  كائتلاف سياسي لأفراد ومجموعات مختلفة وبين الثقافة و المعرفة السياسيين عند شباب و أعضاء الحركة. فإسقاط المستوى الأول على المستوى الثاني كثيرا ما استعمل بهدف التقليل و التبخيس من القيمة المضافة لحركة  » 20 فبراير » والقيمة الاعتبارية لأعضائها.
ثانيا: على أرض الواقع اكتشفنا أن أعضاء الحركة لهم إدراك سياسي واسع أكثر مما يعتقد الجميع و يتبنون استراتيجيات في عملهم ودليل ذلك هو استمرارية الحركة لمدة أزيد من سنة وبنشاط كبير كمستقلين وكمنتمين لهيئات سياسية.
هؤلاء الشباب واعون باختلافاتهم السياسية وقدرة المخزن على استيعاب الاحتجاجات لهذا فإن « عدم الوضوح في الاهدافّ » لم يكن لنقص في الفهم و الإدراك السياسيين ولكن استراتيجية تبتغي تعبئة أطياف واسعة من الجمهور  ليجد الجميع مكانه تحت سقف الحركة ولترك الباب مفتوحا كذلك للتنظيمات السياسية لكي تدعم وتساند الحركة.
أكيد أن عدم الوضوح شكل عائقا و توترا بعد مضي أشهر على عمر الحركة ولكن لولا ذلك الاستيعاب الشامل الذي وفرته عمومية وشساعة الأهداف في البداية لما كان ممكنا التحاق شرائح متعددة بمسيرات الحركة وهذا ما لاحظناه بوضوح في مسيرتي 20 مارس و 24 ابريل 2011.
لقد استطاعت حركة  » 20 فبراير » أن تتجاوز في انطلاقتها أهم مأزق يعرفه أي حراك شعبي وهو كيفية ضمان التحاق قطاعات اجتماعية عريضة لصنع الزخم السياسي التغييري والضاغط. طبعا الحفاظ على هذا الزخم مسألة أخرى.

كباحثين في مجال علم الاجتماع تعلنان النتائج بعد الوفاة، ما الأخطاء التي وقع فيها شباب الحركة، ويفترض أن يستفيدها النشطاء بعد اليوم؟

ونية بناني الشرايبي: لا أعتقد أن من مهامي توزيع النقاط الإيجابية والنقاط السيئة. الكلام عن « الأخطاء »، يشير إلى أننا في معرض التقييم وتقديم الحصيلة وإعلان « فشل ما ». من وجهة نظري، هذا المسميات هي بالأحرى من مهام الفاعلين السياسيين الذين يصوغون تكتيكات واستراتيجيات في إطار تبادل الضربات مع الخصوم و المنافسين. من هذا المنطلق، فإنه يمكنهم أن يقيموا أعمالهم ويقوموا بالنقد الذاتي: حصيلة التجربة مرتبطة ارتباطا وثيقا بتصوراتمهم وتوقعاتهم الأولية، وما إلى ذلك. يمكنهم كذلك أن يدخلوا في سجال من أجل تأويل « فشل ما » إلى « نجاح ما » أو « نجاح ما » إلى « فشل ما ».
على صعيد آخر، الكلام عن « الأخطاء » أو « الفشل » أو « النجاح » يقود إلى اعتبار مستقبل حركة احتجاجية يرتهن فقط بجهود أطراف النزاع الموجودين. ولكن حيوية أي حركة اجتماعية تتجاوز مقاصد الأفعال المباشرة و الجهات المعنية بها. من جهة، الحركة الاجتماعية هي جزء من مسار تاريخي ومن جهة أخرى فهي تستمد حيويتها من سيرورة تفاعلية بين مستويات مختلفة: فردية وجماعية، ماكروبنيوية، محلية وإقليمية ودولية. وأخيرا، إذا كنا سنتحدث عن « أثر » حركة ما، فإن علماء اجتماع الحركات الاجتماعية يعرفون منذ زمن بعيد أن هناك أثرا على المدى القصير، وأثرا على المدى المتوسط و أثرا على المدى الطويل.

محمد الجغلالي: هذا السؤال استشرافي  والإجابة عنه غير هينة و ليست جزءا منصوصا عليه في دفتر تحملات الباحثين في العلوم الاجتماعية. كما ينبغي على الجميع أن يتعلم من شباب  » 20 فبراير » بدل الدروس المنبرية.
تجاوزا،  وكمواطن متتبع إذا حق لي أن أبدي ملاحظة في الموضوع، فإني أرى أن أهم مأزق لدى حركة عشرين فبراير هي الرغبة في التماهي مع ميدان التحرير بمصر بحيث أصبحت أسيرة صورة المليونيات ومنطق الأعداد الغفيرة والجماهير الحاشدة.
كمواطن قريب من الساحة النضالية بالدار البيضاء، كانت تأخذني الدهشة عندما أسمع عبارات عدم الرضا عند بعض شباب حركة  » 20 فبراير » بعد مسيرة حضرها 3000 متظاهر مثلا. من خلال حواراتي الجانبية مع أصدقائي حركة « 20 فبراير » لاحظت أن الجميع يفكر بالوقفات والمسيرات كشكل وحيد و أوحد للاحتجاج بهدف إبراز « الزخم  الشعبي » و لم يكن التفكير متوجها إلى طرق احتجاجية أخرى أكثر تأثيرا واستعراضا واستدامة وبمجموعات صغيرة.
الرهان على المنطق العددي جعل من حركة عشرين فبراير في حاضرة كبيرة مثل الدار البيضاء رهينة للقدرة التعبوية لجماعة منظمة كالعدل والإحسان. وعندما انسحبت هذه الأخيرة ساد نوع من الإحباط و لم يسأل الشباب نفسه أو يقارن بين المفعول السياسي لتظاهرة بألف متظاهر وأخرى بعشرات الآلاف بدون جماعة العدل والإحسان.
باختصار، أعتقد كمواطن متتبع أن ميدان التحرير بالقاهرة بمليونياته ألهم ما بعده من حركات احتجاجية شعبية و شكل أيضا عبئا بوضعه نموذجا ثوريا ذا سقف عال يتم على أساسه تقييم « نجاح » أو « ثورية » أو « عدالة مطالب شعبية ما ».  و هنا أعود لما سبق أن ذكرته مونية بناني الشرايبي، علميا لا مجال للكلام عن « الأخطاء »، التقييم إيجابا أو سلبا لا يكون إلا من موقف سياسي ما.

تتمة المقال على موقع أنباء موسكو

Leave a Reply