تحولات الحجر والبشر في المغرب

7 février 2014 22 h 00 min 2 comments

عادة، فإن المغربي لا يرتاح لوجود جار فوقه وتحته وقبالته. لكن الضرورة الاقتصادية تخنق البشر. في المنازل الأفقية فائض مكان. يوجد دهليز يشبه نفقا يفصل قلب المنزل عن العالم الخارجي. الدهليز فاصل يحمي وفي الوقت نفسه يقود للبهو. البهو مكان مشترك واسع تحيط به غرف ولكل غرفة مفتاحها. ومن يخرج من الغرفة للبهو يجب أن يرتدي ملابسه كاملة كأنه سيخرج للشارع.
الغرفة فضاء خاص بينما البهو فضاء عمومي يحمل الشر الذي يمثله الجنس الآخر أو الزوار الغرباء.لربط جزئي بين الغرف والعالم الخارجي، هناك نوافذ صغيرة قريبة من السقف تُصعّب التجسّس على خلوة السكان.
من يدخل المنزل ويقف في بهوه يرى السماء، يتواصل مع الله مباشرة، ومن تلك الفتحة يدخل الضوء… لرصد هذا المشهد جعل التشكيليون المغاربة من هذا الفضاء التقليدي موضوعا للوحاتهم. لكن حين نتأمل هذه اللوحات نجد محاكاة حرفية للفضاء، تُصوِّر الجدران والملابس التقليدية بشكل سطحي يفتقد الحركية. لا يظهر في اللوحة أي بحث في صلة هندسة الفضاء بهندسة الوعي.
وهذا ما يجعل اللوحات مجرد انعكاس ميكانيكي لهندسة البيوت.في المباني التقليدية جدران كثيرة سميكة، وهي وسيلة للتقسيم. لا تخترقها الأصوات بسهولة، ومحصنة مثل القيم التقليدية. هكذا يعكس المعمار المنظومة القيمية لمنشئيه. منظومة واضحة، حادة، تفصل بين ما لا يجوز وهو كثير، وما يجوز وهو قليل وله شروط… لذا للمباني زوايا حادة مثل سيارات الستينات.
في هذه الفضاءات فصل راسخ بين الجنسين. راسخ في الجدران وفي وعي الفرد. فالصالون فضاء رجالي، وحين يأتي ضيوف يدخلونه حفاة ويخدمهم رب البيت أو ولي عهده حافيا. بينما تبقى النساء بعيدات. هكذا تساعد الحواجز على الستر وتقوية قيم الحشمة. فحتى تواصل العيون لا يجوز. يحصل أن ينتقل الفرد من هذا الفضاء التقليدي إلى فضاء جديد بالهجرة أو بتغيير السكن. فهنا، حول الدار البيضاء، تنشأ عمارات ضخمة في الضواحي الريفية. حاليا تنمو المدن المغربية عموديا أكثر مما تنمو أفقيا.
تُبنى العمارات الشعبية في ستة أشهر وينتقل الناس من السكن في منزل ريفي إلى شقق جديدة. لا يوجد فيها دهليز. بل المدخل والصالون فضاء واحد مفتوح… يجعل تواصل فضاء الشقة أشبه بالنادي يمكن اكتشافه بنظرة واحدة. ذلك أن فلسفة الهندسة المعاصرة تحرص على البانوراما.
بعد المدخل، هناك صالون مقسوم نصفين بجدار علوه متر تقريبا. حين يكون هناك ضيوف يجلس الرجال في جهة والنساء في جهة، ويمكن لهؤلاء رؤية النصف العلوي لأولئك.
وهذا ليس فصلا بين الجنسين وليس اختلاطا أيضا. في الشقق الصغيرة يكون الصالون ضيقا ويزول البهو الذي أضيفت مساحته للغرف. قلّ الفضاء المشترك. غالبا لا توجد غرفة جلوس. يجري الأكل في المطبخ ولا يتوفر وقت كبير لجلوس وتواصل أفراد الأسرة. فلدى كل واحد تلفزة أو شاشة في غرفته.
الرائع في الأمر أن للشقق نوافذ كبيرة، لذا فتصوير فيلم في هذه الغرف أسهل، خاصة في غرف النوم حيث يعطي الرجال قيمة كبيرة للإضاءة الملونة. لا يوجد شعور بالضيق، فالفضاء مبهج ويُسمح بدخوله دون نزع الحذاء.
لكن هناك حواجز وجدرانا غير مرئية تستمر في العقلية حتى لو أزيحت من المباني. لا توجد فتحة للتواصل مع السماء. لكن يوجد فصل زمني بدل المكاني بين الجنسين. في المناسبات الاجتماعية (زواج أو عقيقة، أي الذبيحة للمولود الجديد) يُستدعى الرجال للعشاء، وفي اليوم التالي تستدعى النساء للغداء.
الظلام للرجال والنور للنساء. حاجز آخر بشري: في باب العمارة بواب يحرس مصالح المتزوجين، وهو يمنع العزاب من اصطحاب عشيقاتهم داخل العمارة. حاجز آخر خشبي: يملك ساكن الشقة ثقبا في الباب ليعرف من يطرق بابه دون أن يعلن عن وجوده في الداخل.
حاجز نفسي: يفضّل الجيران عدم التلاقي لذا تباع العمارات التي فيها أقل عدد من الشقق بشكل أسرع وأغلى من غيرها، وذلك ليسكن كل فرد بعيدا عن الآخرين، فلا أحد يهتم بالجار الأول فكيف «بسابع جار»؟ هكذا يحاول من يملك المال النجاة من التحولات، وهي تتقدم رغم أشكال المقاومة.

المقال كاملا : السفير

محمد بنعزيز

Leave a Reply