بعض الجهات …

26 décembre 2012 11 h 48 min 0 comments

بينما يفتخر العديد من الفاعلين السياسيين في المغرب، في الحكومة والبرلمان، في الأغلبية والمعارضة على السواء، باختيارهم لخطاب الوضوح والشفافية، ويرددون العبارات الإنشائية عن احترامهم للمواطنين، وعن تحملهم للمسؤولية، نجد الكثير من تصريحاتهم تناقض تماما هذه المبادئ وتتسم بالكلام الفضفاض وبغياب الشجاعة والجرأة عن تسمية الأمور بأسمائها.

وهكذا أصبحت الكثير من التصريحات تتضمن مصطلح « الجهات » أو « بعض الجهات » أو « الجهات النافذة » أو ما شابه ذلك، والتي سنورد منها بعض النماذج للوقوف على بؤس الحقل السياسي وطغيان ثقافة اللامسؤولية والتطبيع مع الاستهتار بالمخاطَـبين الذين لا يستحقون حسب هذا المنطق، الحصول على المعلومة كاملة إن وُجدت أصلا:


• كشف سعد الدين العثماني، رئيس المجلس الوطني للعدالة والتنمية ووزير الخارجية والتعاون، أن بعض الجهات تقوم بتحريض دول أجنبية على عدم التعامل مع حكومة بنكيران بدعوى أنها أصولية وذات مرجعية إسلامية، وذلك خلال لقاء تواصلي عقد بمدينة آيت ملول مساء يوم الأربعاء 19 دجنبر 2012، دون أن يعلن عن هوية تلك الجهات، هل هي من داخل المغرب أم من خارجه، وهل هي أفراد أم مؤسسات، و ما نوعية هذا التحريض.

• قبل أن يصبح وزيرا للعدل والحريات، سبق لمصطفى الرميد أن صرح لجريدة التجديد، أواسط شهر ماي 2011، وفي خضم محاكمة الصحفي رشيد نيني، أن « هذه المتابعة وهذا الاعتقال محض انتقام من جهات متنفذة داخل الدولة (دون أن يكشف عن هويتها) وإن على رجال الصحافة الانضباط للقانون ولأخلاقيات المهنة كما على الدولة الانضباط لمتطلبات دولة الحق والقانون ». الانطباع الأول لدى من يسمع هذا الكلام هو أن السيد الرميد يعرف أشخاصا بعينهم ينتقمون عبر تسخير القضاء ولكنه يتستر عليهم. لماذا وما المصلحة من هذا التستر ؟


• من جهته فقد صرح عبد الله بوانو رئيس فريق العدالة والتنمية بالبرلمان أمام أعضاء لجنة المالية والاقتصاد أواخر أكتوبر 2012 أن « هناك أطرافا تستهدف وزارة العدل والحريات التي تسعى جاهدة إلى إصلاح منظومة العدالة برمتها » مضيفا أن « إصلاح القضاء يساهم في جلب الاستثمارات، غير أن بعض الجهات تسعى بكل الطرق إلى استهداف أي إصلاح جاء به مصطفى الرميد ». من هي هذه الجهات ؟ ألم يكن من الأنسب أن يحدد السيد بوانو أسماء هذه الأطراف لكي يصبح من السهل على من يُخاطبهم التعاون معه على إجهاض عملها الخبيث ؟

• أما وزير الاتصال الناطق الرسمي باسم الحكومة مصطفى الخلفي، فقد وجه بدوره، ضمن محاضرة حول آفاق الإعلام المغربي في ملتقى شبيبة العدالة والتنمية، انتقادات لاذعة لجهات قال إنها « تسعى إلى إفساد العلاقة بين حزبه والمؤسسة الملكية » وأضاف أن « جهات تحاول أن تصطاد في الماء العكر عبر التركيز على التناقضات بين التحالف الحكومي، سواء على مستوى الحكومة أو البرلمان، وهذا لن يؤثر في سياسة الحزب، الذي وضع ضمن أولوياته الاشتغال بتعاون وتنسيق تام مع المؤسسة الملكية ». هكذا إذن وبنفس المنطق: ارتداء لباس الضحية الأبدية وإطلاق التهمة الجاهزة دون حجة ولا برهان، ودون تحديد الوقائع لإقناع الناس الذين يُطلب منهم فقط التصديق الأعمى، ربما لأن ذكاءهم القاصر لا يرقى لمستوى ذكاء المتكلم.

• على صعيد آخر،استغل النائب البرلماني عن العدالة والتنمية المقرئ أبو زيد الإدريسي، فرصة الحديث في البرلمان عن بنايات الأحباس التي تركها المغاربة في مدينة القدس، ليتهم الحكومة و »جهات نافذة بتسهيل دخول شخصيات إسرائيلية إلى المغرب، واستقبالهم كالأبطال في المطارات ». لم يفصح البرلماني المعروف بالفصاحة والبلاغة والخطب الحماسية أكثر من الجرأة، عن أسماء هذه الجهات بالضبط رغم أنه صرح بنفسه في حوار مطول مع مجلة رهانات العدد 21  » لم يعد الشعب المغربي يمارس البلاغة والتورية، ولم يعد يتكلم بالمجاز، بل أصبح يتكلم بالقاموس اللغوي الصريح، الذي يقوم على التعيين la désignation »، بل إنه عـبَّـر بنفسه عن الانهزام النفسي الذي يعيشه عندما قال في حوار صحفي بتاريخ 5 دجنبر 2011 : « …أعذر حكومة مقيدة بدستور وقوانين وأعراف وخطوط حمر غير مرئية… » فأي مجاز أكبر من هذا المجاز ؟

 


• محمد يتيم، ليس نائبا برلمانيا فقط بل هو النائب الأول لرئيس مجلس النواب عن حزب العدالة والتنمية الذي يقود الائتلاف الحكومي. حسب ما ذكرته جريدة أخبار اليوم بتاريخ 4-6-2012 فإن هذا المسؤول خاطب المعطلين الذين كانوا ضحية التعنيف والضرب من طرف قوات الأمن بالرباط  » إن حكومة ابن كيران لا تستطيع فعل كل شيء ……. وأن بن كيران ليس هو من يحكم، ولكن هناك لوبيات وأجهزة هي من تتولى تدبير عدد من الملفات  » قبل أن يضيف  » نحن لا نملك سوى 27 في المائة والباقي تشكله تنظيمات أخرى، ولو كنا نملك 50 في المائة لاستطعنا التصرف بحرية أكبر…….. الأمر بالتدخل في حقكم ( يقصد الأطر المعطلة) لم يصدر عن رئيس الحكومة، كما هو الأمر فيما يخص هدم السكن العشوائي، الأمر جاء من جهات لا نعلمها… ». أي استخفاف بالمنطق وبالأخلاق أكبر من هذا ؟ كأنه يقول لهم: أيها الشباب، هناك جهات تضربكم لا نعلمها، كل ما نعرف هو أنها أقوى منا وقد قبلنا أن نطأطئ لها رأسنا لأننا جُـبلنا على الذل والهوان، ولكن احمدوا الله فنحن في البرلمان وفي الحكومة نواسيكم فماذا تريدون؟
• صلاح الدين مزوار، وزير المالية السابق ورئيس حزب التجمع الوطني للأحرار أدلى بحديث لصحيفة المساء، تناول فيه قضية التعويضات المتبادلة بينه وبين الخازن العام للمملكة، فأشار إلى أنه لم يخرق القانون، وأن  » الكل يتلقى تعويضات لم يثر بشأنها كل هذا الجدل المفتعل »، ولمح مزوار إلى أنه يعرف من  » يطبخ هذه العملية »، ويعلم « كيف تمت، » مضيفا أنه سيعلن في الوقت المناسب عن الجهات التي تستهدفه وخلص في ختام حديثه إلى القول : » سأعرض حقائق تؤكد وجود جهات تريد رأسي، ولا أعلم إن كان الأمر يتعلق بتوجهات أحزاب أم فقط توجهات أفراد. » متى سيعرض مزوار هذه الحقائق ويكشف عن هذه الجهات الظالمة لشخصه النبيل ؟
• أما وزير الداخلية محند العنصر، فقد أعلن في حوار مع جريدة الشرق الأوسط عن وجود جهات لم يسمِّها تقوم بـ«تسييس» الاحتجاجات الاجتماعية التي عرفتها مدينة تازة في الأسبوع الأول من شهر فبراير 2012، مشيرا إلى أن «هناك جهات معينة لها أجندة خاصة كانت وراء استغلال وتأجيج هذه الأحداث، وأن السلطات بصدد التحقيق حول هذا الأمر». أين وصل التحقيق، ومن هي هذه الجهات المعينة وما هي هذه الأجندة الخاصة ؟ ألا يستحق المواطنون الطيبون أن يعرفوا من يتربص يهم ريب المنون ليأخذوا بأسباب الحيطة والحذر؟

• على صعيد آخر، فالنائبة البرلمانية خديجة الروسي وهي قيادية في حزب الأصالة والمعاصرة ورئيسة جمعية بيت الحكمة، تناولت في لقاء نظمته مؤسسة عبد الرحيم بوعبيد، قضية تدخل جهات في الإعداد للدستور المغربي لفاتح يوليوز 2011، بشكل يكبح الإصلاح، حيث سمَّت حزب العدالة والتنمية، الذي وقف أمام رغبة لجنة المنوني للذهاب بشكل أوسع في الإصلاح، وقالت إن أفراداً داخل المربع الملكي حاربوا الإصلاح مسنودين بحزب المصباح. صحيح أنها وقفت في منزلة بين المنزلتين، حيث حددت الانتماء لما تسميه المربع الملكي (وهو مصطلح غامض) ولكنها لم تذكر الأسماء.
• وأخيرا فإن نفس الأسلوب الغامض والفاقد للشجاعة هو الذي نجده لدى المرشحَـيْـن الخاسرَيْـن لمنصب الأمانة العامة لحزب الاستقلال ومنصب الكاتب الأول لحزب الإتحاد الاشتراكي: بعدما أكد عبد الواحد الفاسي « أن جهات من خارج الحزب ضغطت على بعض أنصاره ليتراجعوا عن دعمه ويصوتوا لصالح منافسه الفائز حميد شباط عشية يوم التصويت على الأمين العام للحزب في 23 شتنبر الماضي »، صرح أحمد الزايدي، في ندوة صحفية عقدها الأربعاء 19 دجنبر 2012 : » المفاجأة كانت أكثر خلال الدور الثاني للتصويت على الكاتب الأول للحزب حيث وقفتُ على وجود تدخلات خارجية متمثلة في ضغوطات قوية مورست على عدد من المؤتمرين للتصويت في اتجاه معين أي لفائدة منافسي ». ما هي مصادر هذه التدخلات الخارجية ؟ اليوم، بعد فوز حميد شباط، الموصوف بصاحب نضال القرب، وإدريس لشكر الموصوف بالسياسي المحنك، لن يستطيع المرشحان الخاسران إلا التحسر على وطن لن يستفيد من خبرتيْهما وهو مشرف على حقبة يهيمن فيها « حزب الاتحاد الاستقلالي للأصالة والمعاصرة » الجديد.

بعد هذه الجولة السريعة بين منعرجات الغموض ومسالك الضبابية، لا أبد أن نضيف أن هذا المقال كُتب بإيعاز من بعض الجهات…

أحمد ابن الصديق

24 دجنبر

 

Leave a Reply