مسرحية حادة.. حرب جندر وكومبيوتر

28 janvier 2014 12 h 47 min 1 comment

تؤكد مسرحية « حادة » لفرقة دابا ثياتر المغربية، إذ تنفتح على حشد من العناصر والأدوات على منصّة لا تزال تراوح أمام الفهم التقليدي لعمليات الإبداع المسرحي، بالطريق إلى الضفاف الأخرى للمسرح.

جواد السنني مخرج المسرحية، لا يوافق في حواره مع « المدن » على وصف « حادة » بالمونودراما، ولو أن جميلة الهوني تلعب الدور الوحيد على المنصة المشغولة بالسينوغرافيا بين مفهومين، مفهوم القبو الخاص المجهّز ومفهوم النادي الليلي. ليست « حادة »مونودراما. لأنها تعتمد عناصر وأدوات كثيرة، يجد السنني أنها في مستوى بعضها. « كل حضور بأهمية الآخر ». كلام تثاقف لا واقع. لأن الممثلة بقيت الأساس على مدى العرض الممتد على أكثر من ساعة ونصف الساعة. تبدأ المبالغات الإستيتيكية من ذلك. اكثر من ساعة ونصف الساعة لمونولوغ بالعامية المغربية، أقفل أبواب العلاقة بين المنصّة والصالة. بين العرض والجمهور. ليست مونودراما إذن. ليست مسرحية كباريه. ليست مسرحية بولفار، مع ميلانها إلى صوره الأولى. تنبني المسرحية على روح التغريب، بيد أنها لن تلبث أن تحدّد منهجها بما ازدادت أهميته بالعالم في الآونة الأخيرة، تحت قوس الأزمة الاقتصادية وإغراءات المواجهة الحيّة مع جمهور حاضر، متلق: الستاند آب كوميدي. صحيح أن « حادة » تتمرّد على الستاند آب كوميدي، بفضائه المسرحي المتقشف، إلى حد تجهيز المنصّة بالكثير من الأدوات بخدمة الممثل أو صاحب التلاوة الأدائية الملونة بالفطرة التفاعلية. عناصر رقمية، ولا رقمية. عروض الفيديو بالتحديد. ثم المرافقة الموسيقية الحيّة، من ثلاثي رافق العرض على مدى ساعتيه القليلتي التأثير والنقاوة. لأن استعمال الكثير من الأدوات، قاد إلى نوع من الفوضى المسرحية، ما عزّز الادّعاء الثقافي لدى المسرحي الشاب، ذي الدراسة الأكاديمية والتجربة المعرفية والعملانية المحصّلة من ورش كثيرة شارك بها، سواء في ألمانيا أو سويسرا أو فرنسا، كما صرّح لـ »المدن ».

التغريب أولاً، تلك سمة التجارب المسرحية، من شباب لا يريدون سوى دمج النص والصورة والصوت والعناصر المختلفة في الإعداد أمام الجمهور. هذا ما حدث في « حادة »، بانكشاف عناصر العرض على الجمهور (كما حدث في أليسانة لفرقة زقاق اللبنانية في اليوم السابق على العرض المغربي). الموسيقى من الفرقة الحيّة. تبدّل الممثلة ثيابها وأدوارها أمام الناس. ثم، لا تلبث أن تشدّ حقيبة سفرها على ظهرها، تاركة الصالة للمشاهد الماضية. مشهد واحد في المسرحية، لا يلوّنه الأداء الأفقي لجميلة الهوني، وهي في أدنى وأقصى حالات التلاوة، شادّة الميكروفون إلى فمها وبدنها بدون تبريرات جمالية أو فكرية. ممثلة في نادٍ ليلي. ممثلة في قبو، كما يؤكد السنني. لن نختلف على ذلك. حيث انبنت سينوغرافيا العرض على كرتي إضاءة، واحدة متدلّية من الوسط والأخرى عند زاوية يمين المسرح. ميكروفون تحت كرة الإضاءة الوسطية. شاشة في الخلفية لعروض الرسوم المتحركة. فوق العناصر هذه، حديد مشبك، للإيحاء بضغط الفضاء المحدّد على وقوف الممثلة في الوسط دائماً، وهي تترجم الحكايات بريشة الجسد المقتولة بظل الجسد لا بحضوره.
تغيب الممثلة هنا، بصالح الظلّ المعكوس على الشاشة. إعجاب المخرج بالمانغا اليابانية صريح. جندرته النسائية واضحة. ذلك، أن كل ما على الخشبة، يوحي بسلطة الذكر على الأنثى. شكل المذياع الطويل، من شكل النرجيلة. رمز سلطنة الذكر في المحافل. التلّسط الجندري الذكري. تجربة الذكر والأنثى واحدة عند السنني، حيث لم يعد يجد الكثير من الفروق بين ما يعانيه الرجل وما تعانيه المرأة. بيد أنه يروي مظالم المرأة وحدها. « تكثف المرأة الجنس البشري هنا. لا تتكلم المرأة بلسانها فقط. تتكلم بلسانها ولسان الرجل بآن. « لم يلبث الكلام هذا أن مال، بعد أن شهقت المرأة على مدى العرض الطويل، الطويل، ببكائها الطويل، على حياة مدورة على حضور الرجل. أحبت المومس مناضلاً ماركسياً لينينياً، ثم تزوجت من إمام، مجاهد سابق. يعادل القلق المعنوي من الانقلابات الأخيرة في العالم العربي، حضور فالت للكلام. حضور ثرثار بلا عصب. مولد الإنتاج السردي، كليشاوي هنا. إذ تدور حياة المرأة بين منهجين متناقضين تماماً، بين الإلحاد والسلفية الدينية. حرب فوضى وضياع على الخشبة، من امرأة مغتصبة ومحبوبة بآن، بحسب مطوية المسرحية، الموزّعة على باب الصالة.

حادة اسم المرأة. تحكي المرأة، قصتها في بلد مليء بالتناقضات، تحت التغييرات المحتملة. تتّجه حادة إلى الله، كما تخاطب الجمهور، وهي تفكر بصوت عالٍ. تأملات شخصية لامرأة أمية، بحسب المطوية، ذات خلفية متواضعة. غير أنها تستطيع أن تسائل أحداثاً سياسية وتاريخية ودينية، بنبرة شاعرية. تناقضات العرض كثيرة. ولأنه كذلك، يحتاج إلى إعادة قراءة على الصعيد الأدبي والجمالي. يحتاج إلى دراماتورج، لا وظيفة له سوى منطقة (من منطق) أحداث المسرحية واقتراحاتها الجمالية المتعدّدة المجالات، بين الموسيقى والرسوم المتحركة والفيديو التفاعلي. الأخير اقتراح الهوس بالصورة على الصورة. لن ينجلي ذلك، إلا على الضعفين. ضعف الصورة والصورة الأخرى. لا قوة لصورة الفيديو على صورة المسرح وبالعكس، لأن الاثنتين بلا قوة. لا يحاور العرض نفسه في « ملتقى الحوار » (أغورا). هذه معضلة. ذلك أن ما يسميه المخرج جواد السنني « الفيديو التفاعلي »، لا يصيب معناه. إذ أن صلة الوصل في التفاعليات المسرحية، هي تفاعليات رقمية بالضرورة. ليس هذا تعريف خاص، إنه تعريف تشارلز ديمر، من أسس المسرح التفاعلي بالعالم (كتب أول مسرحية على النمط التفاعلي العام ١٩٨٥. كتب « الأغنية الأخيرة لفيوليتا بارا » و »بات يوديمورت » و » تيوركيز » و »رانشو » و »كوكتيل سوت » و »جاتواتيمورت »، ما أسّس حضور المسرحية الرقمية. ترجمت د.فاطمة البريكي وعرفت المسرح الرقمي بالمسرح التفاعلي. مثال العمل الجماعي المنتج بتخطيه حدود الفردية. إنتاج لوحات تشكيلية رقمية، تأخذ مكانها في حقوق الإبداع إلى جانب اللوحات المرسومة بالريشة. هذه إشارة. حدث ذلك، في محاولة إقامة العلاقة بين المشهد المسرحي والمشهد السينمائي).

الغائب، على الخشبة هو الكومبيوتر. يلعب دور الغائب، المخرج جواد السنني، بلعبة رقمية نسبية، لا تغيب العناصر الغائبة في المسرح الرقمي، من المسرح ذاته إلى الممثل الحي. يغيب المسرح في حادة، كمفهوم. يغيب جسد الممثلة لصالح التلاوة. على المسرح أرتيزانا فعلية بحجة الإختبار والتجريب.لا إخراج ولا موضعة حتى، حين تقتصر العمليات الإخراجية على المواءمة الزمنية بين عناصر العرض. لا غرابة، لأن التجديد، يقف على ضفة الحياة والموت بالوقت ذاته.

كبر الطيب الصدّيقي، المخرج المسرحي المغربي الكبير الحضور في التجربة العربية. لم يعد يشتغل في المسرح بداعي الكبر، بذا أجاب السنني، حين سألته عنه. لا يزال الصديقي في قلب التجربة العربية، شغالاً وهو في التقاعد. لأن أعماله لا تزال نماذج حيّة، بلا ادعاءات. شحذ المخيلة العربية في »قفطان الحب » (كمثال)  شحذ المخيلة الشعبية وعالم الحكايات الشعبية، معيداً صوغها، كاشفاً بذلك أبعادها الجمالية وخيالها الفضفاض، بدون أن يتخلّى عن قواها الداخلية وعناصرها السردية. أشغاله في مستويين، مستوى السرد الزمني الملموس والمستوى الداخلي للعرض، الجامع الشخصيات والأحداث في المشهد المتكامل ومساحته الرحبة. تخفيف التنظيرات، ضرورة للتحققات. تبتعد « حادة » عن ذلك كثيراً.

عبيدو باشا

المصدر : المدن

Leave a Reply