مصائب الإرهاب وإنكار الكتاب

12 février 2013 22 h 23 min 1 comment

Share this Article

Author:

هذا المقال يعبر عن وجهة نظر كاتبه وليس بالضرورة عن وجهة نظر مامفاكينش.
في إطار ردود الأفعال التي جائت بعد حادثة مقتل شكري بالعيد، الزعيم الديمقراطي التونسي، خرج إلينا السيد علي أنوزلا، الصحفي المغربي المحترم، بإفتتاحية طويلة عريضة اليوم يبدء فيها بالدعوة الى تحكيم العقل، والرجوع إلى الأدلة والقرائن قبل اللجوء إلى إتهام أي طرف بالمسؤولية عن الجريمة السياسية المقترفة يوم الأربعاء الماضي في تونس.

من يتوقف عند المقدمة قد يتفق مع الكاتب تماماً… المشكلة أنه مباشرة بعد ذلك يبدء الكاتب بخلط شعبان برمضان. بل أكثر من ذلك، ينسج خيوط نظرية تسير في ألإتجاه المعاكس تماماً لمقدمته.

دفعني هذا إلى كتابة هذه المحاولة النقدية المتواضعة، مع الإشارة إلى إحترامي للسيد أنوزلا الذي أنا من قراءه الأوفياء .

أولاً اتفق مع السيد أنوزلا في توصيفه للمستفيدين سياسياً من تدهور الوضع في تونس. لا يوجد شك في دور دول الخليج وتأثير اموالها القدرة على المسار السياسي. لا يوجد شك أيضاً أن الانظمة الإستبدادية كالمغرب تستفيد من التوثر الحاصل في دول الثورات العربية لتبيع لشعبها وهم الإستقرار (أو الركود بالاحرى) كبديل عن الحرية والديمقراطية.

المشكلة مع مقال السيد أنوزلا أنه يدعونا إلى تصديق نظرية مؤامرة مبنية على ركام من المعلومات أقل ما يمكن أن يقال عنه أنه غير دقيقة .

« ومازال الباحثون حائرين في تسمية ما حدث بأنه ثورة شعبية »

خطء في القراءة أو سوء دراية؟ ما حصل في تونس ثورة إكتملت أركانها. لكن ما لا يدركه الكثيرون أنها عرت عن صراع الأفكار الذي كتمته الدكتاتورية بقوة البوليس وإرهاب المخابرات وخنق الحياة السياسية. هذا الصراع نفسه الذي يتربص بكل دولة عربية (بما فيها المغرب) قد تدخل مسار الثورة في المستقبل. الثورات تؤدي حثما إلى مواجهة بين الجديد و البالي، المحافظ و التقدمي : سنوات « الإرهاب » التي تلت الثورة الفرنسية، الحرب الأهلية الانجليزية، الحرب الأهلية الأمريكية… تونس ليست قابعة كما يبدو للكثيرين بل هي مستقبلنا الذي لم نصل إليه بعد.

« ظل محمد الغنوشي الذي كان آخر رئيس حكومة عند بنعلي، متمسكا بكرسيه بالقصبة »

هذا أيضاً غير دقيق. تولى الغنوشي الحكم متردداً، في إطار فراغ دستوري وبناءً على طلب من رموز المعارضة.

« إعادة انتشار أفراد هذه الأجهزة مع الحفاظ على المنظومة التي مازالت تعمل بنشاط، كما كان الأمر معمولا به في عهد الرئيس الهارب وربما بفعالية أحسن »

هنا، يبدء القارئ بتبين ملامح المؤامرة التي يريد أن يرسمها الكاتب. هل في تونس اليوم عناصر أمنية تحن لأيام النظام السابق ؟ بالتأكيد. لكن الزعم بأن المنظومة السابقة مازالت تتحكم بالأمور هو طرح يتطلب البرهان القاطع وليس مجرد التخمين. الغريب أن الكاتب يتوسل القارئ بعدم القفز إلى الإستنتاجات وعدم توجيه التهم جزافاً في حين انه لا يكلف نفسه عناء إعطاء دليل حول ما يقترح. لو كانت فلول النظام فعلاً متحكمة بالمنظومة الأمنية و إن كانت فعلاً وراء الجريمة، أليس حرياً بها أن تحاول نسف التحالف الحكومي بضرب أحد رموزه بدل استهداف حزب دو تمثيلية ضعيفة ؟

« من بين أكثر الأصوات التي ترتفع الآن داخل الشارع التونسي لتحميل مسؤولية جريمة اغتيال المعارض اليساري إلى الإسلاميين، وإلى حزب « النهضة » بالدرجة الأولى، هو تيار ما يسمى بـ « نداء تونس »، الذي أسسه الباجي قائد السبسي، بعد خروجه من مقر رآسة الحكومة بالقصبة »

يبدو أن للكاتب حاسة سمع قوية، حيث لم أسمع قبل عن « صوت » نداء تونس هذا و الذي، على أي حال، لم يبالي به الشارع التقدمي التونسي. المليون ونصف التي مشت في جنازة شكري بالعيد لم تلبي أبداً نداء « نداء تونس » ! أن يحاول هذا التيار الركوب فوق الموجة لإقتناص مكان له تحت الشمس شيء طبيعي. هذا حق خولته له الديمقراطية التونسية رغم الشكوك التي تلف قياداته. المثير أنه بعد أن ندد الكاتب بما أسماه « الإقصاء » بإشارة إلى استهداف الإسلاميين، ها هو الآن يطالب بخلع ما اسماهم ال »فلول »، غير راض بإختيار التونسيين عدم اللجوء الى ثقافة مطاردة الساحرات ذات العواقب الكارثية على المجتمع.

« هذا الإعلام هو الذي غذى ومازال يغذي الأجواء التي مهدت للجريمة ويستغلها اليوم لتأجيج المشاعر ضد الحكومة »

وضحت الصورة . خلافاً لكل الأذلة الظرفية، يريدنا الكاتب أن نصدق بأن بن علي و- »فلوله » يتحكمون في البلاد والعباد وأن يدهم دفعت بالإسلاميين إلى التحريض والدعوة الى القتل. انتظر أن يعلن الكاتب قريباً أن النصوص الشرعية الداعية لقتل الملحد وبتر الأعضاء ورجم الزانية من تأليف بن علي وفلوله أيضاً.

أخيراً يعود الكاتب للتذكير بالفرق بين المسؤلية السياسية والجنائية، وكأن هناك خلاف حول الموضوع. المشكلة الأساسية التي يتغاضى عنها المدافعون عن الإسلاميين هي مسؤوليتهم الأخلاقية. من يتهم النهضة لا يشير فقط إلى مسؤوليتها السياسية كقائدة للحكومة التونسية، بل أيضاً وعلى الخصوص إلى مسؤوليتها في خلق جوٍ من الترهيب الفكري وفتح المجال أمام الفاشيين الإسلاميين لإستعمال المساجد والمنابر للحث على الحقد والقتل. هؤلاء الظلاميين الذين لم يساهموا في الثورة قط، ركبوا فوق ظهر الثوار لاغتصابها، و شعروا بأن جماعة الغنوشي منحتهم الضوء الأخضر—حصانةٌ استعملتها النهضة كأداة سياسية لتوحي للجميع أنها أقل شراً من الملتحين المجانين.

هل النهضة مستفيدة من الجريمة ؟ طبعاً لا. لكن التحالف مع الشيطان، ولعب ورقة الترهيب الفكري جعلت العفريت ينزلق من بين أيديها، فإنقلب السحر على الساحر. القول بأنه ليس للإتهامات الموجهة للنهضة « ما يبررها من وقائع على الأرض سوى ‘الاستغلال’ السياسوي » فيه إهانة لذكاء من تابعوا مسلسل التحريض على الحقد والقتل ثم رأو بأم أعينهم تبعاته المنطقية.

من المحزن كثيراً أن يتحدث الكاتب عن « العنف المتبادل بين الطرفين »، وكأن جريمة القتل السياسي يعادلها حق الإختلاف و النقد.

من المحزن كثيراً أن يتهم الكاتب منتقدي الإسلاميين بتهمة الإرهاب الفكري.

إلى متى نواصل تبرير ما لا يبرر ؟

في كل مرة نواجه فيها مصيبة أو كارثة ترتبط من قريب أو بعيد بالإسلام السياسي، يمر غالبية مثقفينا من مراحل الإنكار، قد يتخللها الغضب ثم يبدأون بصياغة نضريات مؤامرة غالباً ما يكون للغرب دور فيها. كم من شكري بالعيد يقتلون كل يوم ؟ كم من سيارات مفخخة تفجر كل يوم ؟ كم من حياة بريئة يجب أن تضحى قبل أن يكون لأقلامنا الشجاعة لمواجهة الخطر الحقيقي الذي يحدق بحرياتنا ويودي بحياة أفضل ابنائنا : وأعني بذلك الفاشية الدينية ؟

اخيراً نصيحتي المتواضعة للسيد أنوزلا المحترم، أن يستفيد من مبدء « موس أوكام » في علم المنطق والذي يقول :

شرح أي ظاهرة يجب أن يقوم على أقل عدد من الفرضيات. يتم ذلك بترك كل فرضية لا تؤثر أو تشرح الظاهرة أو النظرية جانباً.

هشام الميرات

1 Comment

  • Hicham Lamriet!

    Vous parlez de l´après révolution française, anglaise et américaine, et vous faites voir qu´après ben Ali et M´barek, tout va bien et les clans et ex fonctionnaires au sein de leurs déchus appareils sont tous devenus des patriotes, extrêmement civilisés, pacifistes, ne souhaitant aux Fellahs et chômeurs égyptiens et tunisiens que du bonheur!

    Vos idées et votre intervention chargeant les autres, (les vrais patriotes) de fascistes et d´obscurantistes, elles ne viennent que d´une volonté sioniste s´exprimant en arabe et déguisant tout le passé fasciste de Hassan et frères, toujours en mains de votre patronne qui tient les ficelles de sa politique coloniale au Maghreb, et qui dicte à ses agents tout ce qu´ils doivent faire dans l´ombre.

    Que dites-vous et comment interprétez-vous le manifesté par juif Valls, précipitant ses affirmations au détriment du noble combat de tous les braves tunisiens et tunisiennes?

    Vous voulez dire aux marocains: Vous etes très heureux, restez drogués et scandez vive Mommo!

    Houcine__

Leave a Reply