معنى أن تكون أسودَ في مغرب اليوم – محمد بنعزيز

24 janvier 2014 8 h 31 min 0 comments

نشرت الصحف المغربية في صيف 2013 صورة إعلان على باب عمارة بالدار البيضاء «ممنوع منعاً كلياً الكراء للأفارقة والعزاب. توقيع الجمع العام لسكان العمارة».أثار ذلك موجة استنكار وإدانة للعنصرية ضد الأفارقة. وقد كان ذلك حدثاً غطى على سلوكيات عنصرية راسخة في بلد تمثل العمارة صورة مصغرة له. آخر تلك السلوكيات ما رواه الفقيه البرلماني الإخواني المغربي، المقرئ أبو زيد، للسعوديين في جَدّة عن «تجار معروفين من عرق بخيل» (يقصد قبائل سوس، سكان أغادير).
انتشرت نكتته علانية، فاندلعت موجة غضب. نفى عنصريته. ومع اشتداد حملة الجمعيات الأمازيغية ضده أعلن اعتذاره. ظاهريا انتهى المشكل بالاعتذار، على طريقة الشاب الذي جمع كل النكات القاسية التي تُحكى عن والده في كتاب وأحرقه. لكن النكات تسري ولا تموت، وهي تعبير عميق عن الموقف.
ومن ذلك نكات عن خوف رهيب من إنجاب طفل أسود، وعن رائحة إبطي الأسود التي يقال فيها «مُصنن»، وعن استخدام النساء لمرهم رخيص مضر للحصول على وجه ببياض ناصع.وفي الأغاني يتردد الالتماس «ديري الحنا وأنت بيضا تجي عليك». أي ضعي الحناء فأنت بيضاء تناسبك. بينما تتردد السخرية في الأمثال: «إذا حنت بيضاء قلدتها كحلاء»، أي لا جدوى، فلن تظهر الحناء على اليد السوداء.
وتظهر هذه السخرية من العرق واللون بقوة في مدرجات الملاعب. ففي مقابلات كرة القدم بين فرق الدار البيضاء وأغادير والريف، حيث قاتل عبد الكبير الخطابي، تخرج من أفواه الألتراس أحكام نمطية كما في نكتة الإخواني – عن كل فريق والمنطقة التي ينتمي إليها، أحكام عنصرية ذات نزعة جهوية وحس انفصالي. تتقلص فيها الوطنية إلى مناطقية بغيضة تكشف أن الشعب قابل للقسمة على عشرين.هذا عالم، وما يجري في مناطق مغربية متاخمة لموريتانيا عالم آخر. فهناك عدوى تعمل بجد.
بمدينة طاطا التي تبعد ألف كيلومتر عن الرباط جنوبا، وذات صباح في 2001 طرَد أستاذُ تلميذة من فصله في الثانوية، فأمرت تلميذة أخرى سوداء أن تتبعها. تبعتها وهي تحمل محفظتين. بما أني كنت أستاذا في تلك الثانوية فقد تقصيت الأمر ووجهت أحد تلامذتي لإنجاز بحث في الموضوع.
اتضح أن التلميذة السوداء هي ابنة عبد في ملكية والد المطرودة. نظريا انتهت ملكية الأب للعبد في أواسط القرن العشرين. بالمقابل قدم العبد المحرّر ما يسمى في عرف العرب البيض «التليت» اي الطاعة الإرادية. وهي من حقوق السيد القديم على العبد الذي تحرر.
وتشمل الطاعة البقاء في خدمة الذين انتشلوه من العبودية الماضية وأحسنوا إليه بعدما كان مهانا. الذين انتشلوه أي الذين اشتروه آخر مرة. يقول أحد الذين استمعت إليهم وأنقل بلفظه «لكن هناك طبعا من العبيد من تغيروا. فليسوا كلهم بقوا على العهد بل بعضهم بسبب الدخول في مجتمع الدولة، التعليم والاقتصاد ورأس المال، تنكر لعلاقته بسيده رغم أن جده لم يحصل على صك الحرية».
أسأل محاوري: كيف صار هؤلاء عبيدا؟ أجاب: بالشراء من موريتانيا أو بالسبي في الصحراء. وأم التلميذة التي حملت المحفظة جارية اشتريت في موريتانيا.
هذا عن العبيد المملوكين للمنحدرين من الصحراء المغربية (التي تسميها الأمم المتحدة الجمهورية الصحراوية). وحاليا يتم تزويج بنات الجواري العربيات بسود طاطا الأمازيغ. ولهؤلاء السود كيس ألقاب مثل إسمكان وإسوقين والحرّاطين والخماسين. جاءت التسمية الأولى من تشبيه لونهم بالسمخ وهو مداد تقليدي. التسمية الثانية من السوق أي يباعون ويشترون.
والتسمية الثالثة من حراثة الأرض مقابل خمس المحصول وهذا مصدر التسمية الرابعة. ولمصطلح «الخماسين» حساسية شديدة لدى المغاربة لأنه لا يشير إلى اللون الوراثي بل يشير الى وضعية اجتماعية مكتسبة في أدنى السلم الاجتماعي. بسبب هذا التصور، يسمى البيض شرفاء ولا يتزوج الشريف السوداء. لكن يضاجعها كأمة ملكتها يمينه. وفي المغرب، شماله وجنوبه، يفضّل ألا يأتي الفتاةَ خطيبُ أسود البشرة. وحين يأتي يجب أن يكون قد أقنع الفتاة مسبقا لتناضل من أجله ضد شقيقاتها وأشقائها. وعليه ألا يحتج حين تُفرض عليه شروط مالية زائدة بسبب لونه. وعليه لاحقا أن يبلع الملاحظات الساخرة التي تشبهه بالفحم.
يوجد سود تزوجوا شقراوات بفضل ثرائهم.بعد ثلاث سنوات وصلني البحث. كان بحثا ميدانيا عن العنصرية في منطقة طاطا. وهو قدم في شعبة علم الاجتماع بجامعة القاضي عياض بمراكش. وقد وقف هناك على وجود مقابر ومساجد خاصة بالسود في بعض القرى مثل أكجكال وقصبة الجوع وأغادير الهناء. كما وجد قرى كاملة للسود وقرى كاملة للبيض مما يضعف الاندماج. كما وقف في بحثه على تركز الثروة والنفوذ في يد البيض مما له تأثير على التراتب الاجتماعي في إقليم طاطا الذي يمتد على مساحة 25925 كلم مربعا.

تتمة المقال : السفير

Leave a Reply