المرأة العربيّة وتيّارات الإسلام السياسيّ

5 juillet 2012 21 h 14 min 0 comments

بين هواجس العورة السياسيّة والولاية العامّة

عام 1928، أسّسَ حسن البنّا، مع رهطٍ من مريديه في مصر، حركةَ الإخوان المسلمين، لتكون التعبيرَ السياسيّ الأولَ عن التحاق إسلاميين بسبلِ العمل التنظيميّ السياسيّ الحديث. وحتى بداية السبعينيّات من القرن الماضي، بقيت الحركةُ هي التنظيمَ الإسلاميَّ الوحيد، ثم ظهرتْ قوىً إسلاميّةٌ أخرى تتمايز عن الإخوان المسلمين؛ تخالفهم بشدّةٍ أحيانًا، وتستفيد من تجربتهم التنظيميّةِ دائمًا. وقد مهّدتْ لهذا التبلورِ المتأخّر للتيارِ الإسلاميِّ هزيمةُ 1967، وما نجم عنها من انكفاءٍ للحركات القوميّة. وتحوّلت الفئاتُ الحاكمةُ في الجمهوريّات العربيّة الناشئة من نخبةٍ بورجوازيّةٍ صغيرةٍ إلى «برجوازيّة بيرقراطية» (من بين تسمياتٍ أخرى)، انتقلتْ من العداء للبورجوازيّة التقليديّة المحليّة وللإمبرياليّة العالميّة إلى المصالحة والتعاون معهما.

أطلق الإسلاميّون على تمدّد تيّارهم الكثيرَ من التسميات التي أضفت العميقَ من المعاني الروحيّة (الميتافيزيقيّة)، مثل «العودة إلى الأصول» و«الصحوة الإسلاميّة» وغيرها. غير أنّ هذا يحمل في طيّاته الكثيرَ من التضليل الذي تمتاز به إيديولوجيا تستعير من الدين مصطلحاتِه الماضويّةَ لتفسير وقائعَ سياسيّةٍ حديثة، وتسعى إلى الإطباقِ على راهن الناس باحتكار ماضيهم والادّعاءِ أنها استمرارٌ للمقدّس فيه. وكان غرضُ الإسلاميّين من هذا الخطاب استكمالَ نقل الفعل الإسلاميّ من حدوده الثقافيّة ـــ الدينيّة إلى المعنى السياسيِّ والصراع على
السلطة، ومحاولةَ تجيير قوة الإسلام المعنويّة لخدمة تصوّرهم لنظامٍ سياسيّ اجتماعيّ.

دفع انتصارُ الثورة الإسلاميّة الإيرانيّة، أواخرَ سبعينيّات القرن العشرين، بتنظيماتِ الحركة الإسلاميّة إلى الصدارة. وقد أحاطت بصعودها هذا جملةٌ من العوامل، أبرزُها التبدّلاتُ الجذريّةُ التي اجتاحت البنى السياسيّةَ والاجتماعيّة والاقتصاديّة والفكريّة في غالبيّة الأقطار العربيّة؛ فحين كان الخميني يطرقُ أبوابَ طهران، كانت الجماهيرُ العربيّةُ قد بلغتْ حالةً من اليأس من قياداتها اليساريّةِ والعلمانيّة دفعتْ مغنّيًا يساريًّا كالشيخ إمام إلى أن ينشد: «آه، لو كان الخميني عمّنا!» باختصار، فشل التيارُ القوميُّ التحرريّ، وتبدّى
هذا الأمرُ حقيقةً واقعةً في العقود الأخيرة من القرن العشرين. فأصبحت الفرصةُ سانحةً للقوى الدينيّة اليمينيّة لتظهرَ من جديد، وبدعم دول النفطِ وأموالها، أقوى ممّا كانت عليه قبل المرحلة الناصريّة، مع ظهور إسلام جهاديٍّ أعنف بكثير، ولتتبنّى الدعوةَ إلى إقامة دولةٍ إسلاميّة، رافعةً شعار: «الإسلام هو الحلّ.»

من المعارضة إلى الحكم
مع مرور الوقت، نجحتْ تنظيماتُ الإسلام السياسيّ في توظيف غليانٍ جماهيريٍّ وطنيٍّ لصالحها. وقد جاءت التطوّراتُ الإقليميّةُ والدوليّةُ لتدفعَ أكثر نحو بروزها؛ وراحت التحوّلاتُ تطرأ على سياسات تلك التنظيمات: فقد قبل بعضُها العملَ ضمن البنيان السياسيّ القائم، وبعضُها رضي القبولَ بدخول اللعبة الديمقراطيّة للأنظمة العربيّة القائمة، وتنازلتْ تنظيماتٌ عن إيديولوجيّتها العالميّة لصالح إيديولوجيا قوميّة أو قطريّة. جرى ذلك بصفةٍ خاصّةٍ في العقدين الأخيرين من القرن العشرين اللذين تعرّضت فيهما المنطقةُ لهزّاتٍ عنيفة: منها تطوّراتُ الوضع اللبنانيّ وصعودُ حزبِ الله، والقضيّةُ الفلسطينيّة والانتفاضة وصعودُ حماس والجهاد الإسلاميّ، وصعودُ الحركة الإسلاميّة في الجزائر. التغيّر البراغماتي هو عنوانُ مسيرة معظم الحركات الإسلاميّة التي طوّرتْ مفاهيمها وأساليبَ عملها، فشغلتْ مكانةً أوسع في ساحةِ العمل السياسيّ. وهذا ما اتّضح في الربيع العربيّ وإثره، حيث سيطرت الكوتا الإسلاميّة على برلماناتِ الدول الخارجةِ من الثورة من دون أن تكون لها مشاركةٌ فاعلةٌ في صنع الثورة كتونس ومصر وليبيا!
لكنّ الإسلامَ السياسيَّ بالعموم لم يتطرّق إلى سياساتٍ اقتصاديّةٍ فعّالة، بل رجع إلى اقتصادٍ كولونياليّ راح يتحرّكُ بداخله، ما جعله يتعهّد في معظم برامج أحزابهِ بدعمِ الاستثمارات الأجنبيّة والخليجيّة، والخصخصة، والانخراط في العولمةِ الاقتصاديّةِ والسوق الرأسماليّة المفتوحة.

الحرب ضدّ النساء
الحقيقة المطلقة هي أهمُّ ما يعتقد المؤمنُ أنّه وحده من يقبضُ عليه، الأمرُ الذي يخلق عنده نزوعًا فاشيًّا. من هنا يمكن النظرُ إلى ماهيّةِ حالة التهميش التي تعانيها معظمُ الأقليّات الجنسانيّة والاجتماعيّة، والثقافيّة والدينيّة والإثنيّة، في ظلِّ الحكم التوتاليتاريّ. وهذا بالضبط ما عانته النساءُ العربيّاتُ (باعتبارهن هامشًا جنسانيًّا ضمن السيادة الأبويّة)، في ظلِّ صعود تيّارات الإسلام السياسيِّ على خشبة المشهدِ السياسيِّ المعاصر. وقد وَجدتْ هذه القوى في مسألة المرأة مدخلاً رئيسًا للسيطرة على المجتمعات العربيّة، ولتوجيهها
بحسب مفهومها للإسلام ونظرتها إلى الحياة والكون. «المرأة مكرّمةٌ في الإسلام»: جملةٌ جوفاء مافتئتْ قياداتُ الإسلام السياسيِّ تردّدها في كلِّ مقام.
في 24 آذار 2012 صدر بيانٌ لافتٌ من قِبل «تحالف المنظّمات النسويّة» في مصرَ، وهو من نحو 17 منظّمةً وحركةً معنيّةً بحقوق المرأة. كُرّس البيانُ لإدانةِ موافقة مجلسِ الشعب والشورى على تشكيلِ الجمعيّة التأسيسيّة للدستور بواقع 50% من داخل البرلمان الذي تسيطرُ عليه التيّاراتُ الإسلاميّة. واعتبر البيانُ هذا التشكيلَ «تأكيدًا على عزم تيّارِ الإسلام السياسيِّ الانفرادَ بجميع السلطات واحتكارَ صياغةِ الدستور، وحلقةً في سلسلة الإقصاء المتعمّد التي يمارسها تيّارُ الإسلام السياسيّ ضدَّ النساء.» وأشار إلى أنّ المادةَ 60 من الإعلان الدستوريِّ «تؤكّد أنه لا تجوزُ للبرلمان المشاركةُ في وضعِ الدستور، لأنه سيحوزُ صلاحيّاتِ السلطتين التنفيذيّة والقضائيّة.» وشجب البيان طريقةَ تشكيل اللجنةِ التأسيسيّة، واعتبرها حلقةً من سلسلة الممارسات التمييزيّة التي يمارسها التيّارُ المذكور، والتي بدأتْ بقوانينَ تسلب المرأة حقوقَها الإنسانيّة: كحقِّ الخلع، والحقّ في سنٍّ للزواج لا تقلُّ عن 18 سنة، وموافقتها على الزواج، وصولاً إلى حرمانها المشاركةَ في كتابة الدستور (علمًا أنّ مشاركتها في البرلمان الجديد لا تتعدّى 2.4%.).
كان البيانُ خطوةً لافتةً تفيد بأنّ الإسلام السياسيّ لم يستطع إسكاتَ صوت المرأة المصريّة، وأنّها مازالت قادرةً على مواجهة مساعيه إلى سلب حقوقها. ومن هذه المساعي أنّ النائب محمد العمدة تقدّم بمشروع قانون يقضي بإلغاءِ المادة 20 من القانون لسنة 2000، والمعروف بقانون الخلع؛ وترافق ذلك مع حملةِ اتّهاماتٍ للقانون المنصفِ للمرأة، من قبيل أنّ الخلعَ استيرادٌ غربيٌّ ومحطٌّ بالأخلاق. كما تساءل أحدُ نوّاب التيّارات الإسلاميّة، وعضو لجنة الشؤون الدينيّة والاجتماعيّة، كيف تسافرُ المرأة من خلال «المجلس القوميّ للمرأة» لحضورِ مؤتمراتٍ
خارجَ مصر من دون محرم؟ ثم طالبَ بإلغاء هذا المجلس، وبإنشاء مجلسٍ قوميٍّ للرجال! واتّهم نائب آخر المجلسَ القوميّ للمرأة بأنه مسؤولٌ عن زيادة نسبةِ الطلاق والعنوسةِ في المجتمع، مؤكّدًا أن لا داعي لتشكيله لأنّ «الشريعة كفلت حقوقَ المرأة المسلمة.» وطالب نائبٌ ثالث بأن تكونَ لمجلس الشعبِ اليدُ العليا في مراجعة قرارات المجلسِ القوميِّ للمرأة حتى «لا يخالف الدين الإسلاميّ.» وانتهى الاجتماعُ ذاك بموافقة أعضاء اللجنة على إعادة تشكيلِ المجلس القوميّ للمرأة.
وسط هذا اللغو يبدو من حسن حظِّ المرأة المصريّة وجودُ تراكم نوعيّ في عملها ضمن مؤسّسات المجتمع المدنيّ والمنظّماتِ الحقوقيّة والنسويّة؛ ما جعلها تحاولُ تداركَ هذه الهجمة الشرسة عليها. ومؤخّرًا ذُكر أنّ بعضَ الناشطات المصريّاتِ شكّلن «برلمان النساء» الذي يسعى في حملاتٍ إعلاميّةٍ كبيرةٍ إلى نيل حقوق النساء. ولكنّ غيرهن من النساء العربيّات لم يحظين بهذا التراكم المدنيّ والحقوقيّ الفاعل. فمنذ حرب 1973 والفورة النفطيّة، انتقلتْ قيادةُ الوطن العربيّ من مصر إلى السعوديّة، مدعومةً ببلدان النفطِ الخليجيّة وبإعلامها، حيث تكاد المرأةُ ألا تلامسها رياحُ التغيير، وعاد الجدل حول المرأة إلى أيام محمد عبده وقاسم أمين، واختُزلتْ قضيّتُها ومشكلاتُ المجتمع في جدليّةِ النقاب والمايوه. وأطرفُ مثالٍ على ذلك أنّ أحدَ ممثّلي الكتلةِ السلفيّة في البرلمان المصريِّ الجديد اقترح حلَّ البطالة بإعادة العاملات في القطاعين العامِّ والخاصِّ إلى منازلهن، حيث سيقُمن بدورهنّ «التاريخيّ» في الإنجابِ والرضاعة والتربية!
والمراقبُ لتشكيلة قيادات الإسلام السياسيّ بالعموم، منذ صعودِه، سيلاحظُ غيابَ المرأة عن مواقع اتّخاذِ القرار، بذريعة حديثٍ نبويٍّ ضعيفٍ (وإنْ رواه البخاري) يقول: «لن يفلحَ قومٌ ولّوا أمرَهم امرأةً.» وإنْ وُجِدت المرأةُ في تلك القيادات، فهي بالمجمل خاضعةٌ للإيديولوجيا الحاضنة لها، وممثّلةٌ للأداء المطلوب منها. ثمّة نائباتٌ ملتزماتٌ في البرلمان المصريِّ، مثلاً، طالبن بأشياء خجلَ النوّابُ الإسلاميّون من طرحها؛ ومنها إلغاءُ قانون «التحرّش» الجنسيّ الذي يعاقبُ المتحرّش، وهو قانونٌ ناضلت المرأةُ المصريّةُ طويلاً لتثبيته. وهذا ما يذكّر أيضًا بمطلبٍ سبق لنائبةٍ كويتيّةٍ أن طالبتْ به، وهو عودةُ «الجواري» ؛ وحجّتُها في ذلك التقليلُ من حالات الخيانة الزوجيّة من قبل بعض الرجال!
من زاويةٍ أخرى يمكنُ النظرُ إلى غياب المرأة عن قيادات الإسلام السياسيِّ على أنّه نتيجةٌ لمسيرة جيلٍ من التنظيمات الإسلاميّة قامت بممارسات عنيفة وصلتْ حدَّ الإرهابِ المسلّح على مستوى الدولة والمجتمع والمؤسّسات، ونتيجةٌ لتعامل النظم العربيّة العنيف معها. من هذه التنظيمات «التكفير والهجرة» وحركةُ «الجهاد» في مصر، والشبيبةُ الإسلاميّةُ في المغرب، والحركةُ الإسلاميّة الجزائريّة المسلّحة، وغيرها. فحيثما اشتدّ العنفُ، وتفاقم الإقصاءُ الإيديولوجيّ والتعصّبُ والفاشيّة، غابت المرأة.
ولا يبدو وضعُ النساء في قطاع غزّة، الذي تسيطر عليه حركةُ حماس، أقلَّ كارثيّةً من بقيّة المناطق الأخرى. الفرق هنا أنّ الصبغةَ المقاومة التي تسمُ «الحركة» تجعلُ الحديث إعلاميًّا عن وضع النساء مغيّبًا تغييبًا شبه كامل. غير أنّ دراسةً أعدّها مركزُ معلومات وإعلام المرأةِ الفلسطينيّة بيّنتْ أنّ 77% من نساءِ غزّة يتعرّضن للعنف، و52% منهن يعشن في فقرٍ مدقع، فيما أُجبرتْ 39% منهنّ على تركِ الدراسة بسبب الفقر والزواج المبكّر.

لعبة التوازنات السياسيّة
وقّعتْ تونس قبل الثورة العديدَ من الاتفاقيّات الدوليّة المختصّةِ بحقوق المرأة، آخرُها الاتفاقيّة الدوليّة للقضاءِ على أشكال التمييز ضدَّ النساء (1985)، لكنْ مع تسجيل تحفّظاتٍ عن المواد المتعلّقة بالإرث وبحمل اللقب العائليّ، بسبب تعارضها مع الفصل الأول من الدستور الذي ينصُّ على أنَّ تونس دولةٌ نظامها جمهوريٌّ ولغتها عربيّةٌ ودينها الإسلامُ. في السنة ذاتها طالب راشد الغنوشي بتنظيم استفتاءٍ لمراجعة قانون الأحوال الشخصيّة التونسيّ لمخالفته تعاليمَ الشريعة، وبخاصّةٍ في منعه تعدّدَ الزوجات وإقراره التبنّي وغير ذلك. وكان
الغنوشي آنذاك الناطقَ الرسميَّ لحركة الاتّجاه الإسلاميّ، التي أصبحتْ لاحقًا حركةَ النهضة، وفازت قبلَ أشهرٍ في انتخابات المجلس التأسيسيّ الذي سيتولّى صياغةَ الدستور الجديدِ ويمارس السلطةَ التشريعيّة لمدّةِ عام. ورغم أنّ الغنوشي عاد واعتبر قانونَ الأحوال الشخصيّةِ مكسبًا للمجتمع التونسيّ، ولا يتعارض مع الشريعة لكونه يتضمّن مجموعةً من اجتهادات الفقه الإسلاميّ، إلا أنّ كنهَ الجدل القائم على التوازناتِ ولعبةِ المصالح راحت تَزرع في صدور الناشطاتِ والناشطين النسويّين عدمَ اطمئنان إلى مواقف التيّارات الإسلاميّة. فالمرأة
التونسيّة مشاركةٌ بفاعليّةٍ في الحياة السياسيّة منذ انتفاضة 2008، إذ كنّ المبادرات في العديدِ من المسيراتِ أو الاعتصامات أو التجمّعات، وفي التصدّي لأعوانِ القمع. وهذا ما حدثَ كذلك في سيدي بوزيد والقصرين، المنطقتين اللتين شهدتا أكثرَ المواجهات الدمويّةِ في الثورة (كانون الأول 2010 وكانون الثاني 2011)، وكان حضورهنّ متميّزًا في كلِّ المسيرات والمظاهراتِ التي شهدتها البلادُ آنذاك. غير أنّ المرأةَ التونسيّة خسرتْ مقعدين في البرلمان، وراحت نقاشاتُ الغنوشي تتراجعُ أشواطًا في ما يخصُّ حقوقَ النساء، رغم إعلانِه الالتزامَ بالحفاظ على
المكاسب التقدّميّة للمرأةِ التونسيّة حين قال:
«تجدّدُ حركةُ النهضة التزامها لنساءِ تونس بتقوية وتفعيل دورهنّ في صناعةِ القرار السياسيِّ بما يمنع الارتداد عن مكاسبهن… وبالتأكيد سيكونُ للمرأة حضورٌ في الحكومة المقبلة، وسنعملُ على أن تمثّلَ المرأة المحجّبة وغير المحجّبة لتعكسَ واقع تونس… النهضة لن تغيّرَ من نمط الحياةِ عن طريق الدولة. سنترك للناسِ حقوقهم في ما يلبسون ويأكلون ويشربون، هذا ليس شأنَ الدولة… النهضةُ لا تريد تحويلَ الناس إلى منافقين، وأحبُّ إلينا أن نرى وجوهًا عاريةً من أن نرى وجوهًا منافقةً!»

المرأة في البرلمانات العربيّة: الولاية العامّة
في تقريرٍ أعدّته الأممُ المتّحدة مؤخّرًاِ، نقرأ: «رغم بدايةِ سنةٍ واعدة، فإنّ المنطقة العربيّة كانت الوحيدةَ في العالم التي لم يحقّق فيها أيُّ برلمانٍ حدًّا أدنى من 30% للمرأة.»
ثمّة خيطٌ طويلٌ ومترابطٌ سيلاحظه المطّلعُ على تاريخ الإسلام السياسيّ في تعامله مع النساء. فخيبةُ الأمل التي تعانيها المرأتان المصريّةُ والتونسيّة، ومن ثَمّ شقيقتاها اليمنيّة والليبيّة، بسبب إقصائهنّ من المكاسب السياسيّة إثر ثوراتِ الربيع العربيّ وصعود تيّارات الإسلام السياسيّ، ليست أمرًا جديدًا على تاريخ العلاقة بين الطرفين؛ حتى قال قائلٌ: «ربيعُ الثورات العربيّة شتاءُ النساء العربيّات.»
في الذاكرة النسائيّة تجربةُ جزائريّات اشتركن في النضال ضدَّ الاستعمار الفرنسيّ، وكرّمتهنّ قياداتُ الثورة، وكنّ يطمحن إلى تحقيق مطالب وانتزاع حقوقٍ يأملنها منذ زمن. لكنّ الاستقلالَ أتى، وأُعيدت النساءُ إلى البيوت! لاحقًا، لم يمنع اكتسابُ المرأة الجزائريّة حقَّ التصويت في قانون 1963، ولا بعضُ الإصلاحات هنا وهناك، من أن يبقى وضعُها ودورُها متردّيين على العموم.
تبدو نسبةُ وجود المرأة في البرلمانات العربيّة اليوم ضئيلةً، وازدادت تضاؤلاً مع صعود الإسلام السياسيِّ إلى الحكم. فـ 5.6% هي نسبتهنّ في البرلمانات العربيّة، مقارنةً بنسبةٍ تصل إلى 31% في عموم أوروبا، و44% في فنلندة، و39.7% في عموم الدول الإسكندنافية. بل ثمّة برلماناتٌ عربيّةٌ خاليةٌ تمامًا من النساء، كمجلسِ الأمّة الكويتيّ لهذا العام (2012) مقارنةً بدورته الماضية في العام 2009 التي كان فيها أربعُ نائبات؛ كما اختفت النساء من التشكيل الحكوميِّ هناك.

أما في مصر فيغصّ البرلمان المصريُّ اليوم بالوجودِ السلفيّ، فيما تهمَّش النساء (والشباب والأقباط) بوضوح. فمن أصل 498 مقعدًا، هناك 12 امرأةً، أيْ 2.4% فقط؛ وكأنّ المرأةَ المصريّةَ ـــ في زمن المطالب الديمقراطيّة ـــ تسير إلى الوراء في معركة كسب الحقوق، علمًا أنّها نالت جزءًا ممّا تصبو إليه في حزيران 1979 رغم ضغوطِ الإخوان المسلمين. لكنّ ثمّة ظاهرةً جديدةً تختصُّ بما كتبه قبل فترةٍ وجيزةٍ منظّرُ الإخوان المسلمين د. عبد الرحمن البرّ في جريدةِ الجماعة: «لا مانعَ من ترشّح المرأة للانتخابات النيابيّة وخروجها للتصويت، مع ضرورة التزامها
بالضوابط الشرعيّة، خصوصًا أنّ هذا الترشيحَ يضع المرأةَ المسلمة في معركةٍ تواجه فيها النساءَ غير الإسلاميّات… فيما المطلب الملحّ هو أن تحمل المرأةُ المسلمة المشروعَ الإسلاميَّ إلى ساحةِ مواجهة نساءٍ يحملن مشروعًا يعملُ على إفسادِ المجتمع.» وهذا ما كان يؤذنُ بخطّةٍ «إسلاميّة» مغايرةٍ للتعامل مع قضايا المرأة، وهي إعدادُ فِرقٍ من الإسلاميّات، للعراك مع «غير الإسلاميّات،» بسلاحِ الإسلام المتشدّدِ ذاته، أي التكفير والتخوين. وقد يبدو الأمر أقربَ إلى نسويّةٍ معاكسة ذات تضمينٍ أخلاقويّ، ولكنّه سياسيٌّ بالدرجة الأولى أيضًا.
من الردود السريعة على هذه المخطّطات فكرةُ إنشاء حزب نسويّ سياسيّ. وممّن دعا إلى ذلك نوال السعداوي، التي ترى أنّ هذا الحزب سيركّز على أدوارِ النساء، والمطالبة «بكوتا» 30% في الانتخابات. وقد يتواجه مع حزب «نساء التقليد» في صراعٍ ديمقراطيٍّ على صنع القرار.
أما في الأردن فتختصّ المرأة الأردنيّة بوضع مميّز في اتّخاذ القرار. فقد أقرّت الحكومةُ مؤخّرًا مشروعَ قانون انتخابٍ جديد، ألغى قانونَ الصوت الواحد، وزاد مقاعدَ النساء في مجلس النوّاب إلى 15. المثير للمفارقة أنّ الإسلامَ السياسيّ، إثر حملةِ «مناهضة الشيوعيّة في الأردن،» تمتّع بفترة هدوءٍ احتلّت الشخصياتُ الإسلاميّةُ فيها كثيرًا من مراكز القرار في العقد الأخير من القرن العشرين، فمهّد ذلك لبروز قياداتٍ نسائيّةٍ في الحقل السياسيِّ (بل ثمّة تنظيمات إسلاميّة تبنّت شعاراتٍ تختلط فيها الديمقراطيّة والتعدّديّة السياسيّة
والحزبيّة، وينخرط غير المسلمين في صفوفها ويشاركون في هيئاتها القياديّة).
في المغرب قامت الدولة بتحديد حصصٍ للمرأة في البرلمان، فباتت النساءُ يشكّلن 16.7% من أعضاء مجلس النوّاب.

خاتمة
يبدو أنّ تاريخ النضال النسائيّ العربيّ في مواجهة برنامج الإسلام السياسيّ المعاصر ليس قريبًا، بل هو حافلٌ وطويلٌ، ينوس بحسب صعودِ هذه القوى أو فتورِها في المشهد السياسيّ؛ كما تختلف أشكالُه وأساليبه، باختلاف أشكالِ تنظيمات ذلك التيّار وأساليبه. لكنّ ثمة خيطًا واحدًا يجمع ذلك التاريخَ بعضه ببعض، هو موقفُ الإسلام السياسيِّ من المرأة. فلمّا كان انتزاع مراكزِ السلطة هو المعركة الأساسيّة لتلك القوى، فقد كانت حربًا «سياسيّةً» ضدَّ الوجود النسائيّ، ولو استُخدم الدين بشقّه الأخلاقيِّ والقيميّ.
ويظهر اليوم جليًّا، إثر ثوراتِ الربيع العربيّ، أنْ لا بوادر نهايةٍ لهذا الصراع، على الرغم من كلِّ التضحيات التي بذلتها المرأةُ العربيّةُ فيها. ولكنّ الأملَ في الديمقراطيّة والمساواة والحريّة، وهي الغايات الأساسيّة التي من أجلها اشتعلت الثوراتُ العربيّة، يبقى المحفّز الأهمَّ لاستمرار نضالها.
دمشق

روزا ياسين حسن
كاتبة وروائيّة سورية

Leave a Reply