محاسبة الأموات قد تطال الأحياء!‎ – في ذكرى 20 يونيو 1981

21 juin 2012 9 h 42 min 2 comments

  » … أما أن أراكم تفكرون لأن شرذمة من الصعاليك لا تتعدى الألفين سيقدمون إلى المحاكمة تسببوا في القتل والنهب، فهذا أمر لا يخيف المغرب ولا يدعوه إلى القلق حتى ولو كان الأمر يتعلق بخمسمائة ألف من الصعاليك، ولقد عشنا أحداثا مهولة ولم تؤثر في مضاء عزيمتنا، فالمصيبة التي وقعت في مكناس يوم اختطفت طائرة الجزائريين، لا شك أنكم تتذكرونها، وما وقع في الدار البيضاء سنة 1965، هل نسيتموه؟ فلمن بقيت الكلمة الأخيرة والنهائية؟ هل بقيت للشارع أم بقيت للمغرب؟ … « [1]، هكذا كان يتحدث الذي أبدع في ترهيب الشعب المغربي والتنكيل به، فرعون زمانه، الحسن الثاني، عن أحداث 20 يونيو 1981. طبعا في كلامه لكي نفهم المعنى جيدا يجب أن نضع مكان كلمة « المغرب »، الملك. مثلا في جملته الأخيرة، يمكن قراءتها كالتالي:  » فلمن بقيت الكلمة الأخيرة والنهائية ؟ هل بقيت للشارع أم بقيت للملك ». احتقار وتعالي وتكبر وقاموس مزابل ليس بغريب عن من وصف المغاربة بكل أوصاف النذالة وكان مستعدا لكل شيء من أجل البقاء على العرش، حتى ولو اقتضى الأمر، ربما، قتل ثلثي أو ثلث المغاربة.

قد يعتبر البعض أن هذا الكلام فيه قسوة على من سيسميهم « أمواتنا »ويطالبنا بتلطيف الكلام. جوابنا هو كالتالي ومن شقين:

-           أولا، كيف نعتبر المجرمين والقتلة من « أمواتنا » ؟

-           ثانيا، كل شخص اختار العمل السياسي أو تحمل مسؤوليات سياسية كيفما كانت، وجبت مساءلته ومحاسبته وأحيانا محاكمته حيا كان أو ميتا.

أما أن نختبأ وراء « اذكروا أمواتكم بخير »، من أجل تجنب المحاسبة والخوف من نبش ذاكرة الأموات والتي قد تطال الأحياء، فهو أمر غير مقبول ومكر وخبث سياسي والتفاف حول مبدأ « ربط المسؤولية بالمحاسبة » الذي يتغنى الكثيرون بها في القول بعيدا عن الفعل طبعا. وكيف نلطف الكلام مع من داسوا كرامة الأحياء حتى انطبق عليهم كلام أحمد مطر :

« في مقلب القمامة،

رأيت جثة لها ملامح الأعراب،

تجمعت من حولها النسور والذباب،

وفوقها علامة،

تقول هذه جثة كانت تسمى كرامة ».

جاءت انتفاضة الدار البيضاء مباشرة بعد رفع حكومة الملك أنذاك لأسعار بعض المواد الأولية بنسب لم يتحملها المغاربة. جاءت بشكل قياسي ولتكمل نظيراتها في السنتين اللتين سبقتا الأحداث. ولإعطاء فكرة فقد كانت كالتالي:  » السكر عرف زيادة بنسبة 112 في المائة، والزيت 107 في المائة والحليب 200 في المائة والزبدة 246في المائة والدقيق 185 في المائة »[2]

ولكي لا نعيد سرد تبعات هذه الزيادات نكتفي بنقل فقرة من مقال حول الموضوع لإعطاء لمحة حول ضراوة وهمجية التدخل الذي تعرض له أبناء البيضاء التي صارت حمراء بدماء شهدائها وشهيداتها : « طوقت قوات الجيش كل الأحياء بمدينة الدار البيضاء بالدبابات والسيارات العسكرية، وكانت أول ضحية سقطت بفعل إطلاق الرصاص طفلة بدرب غلف عمرها 12 سنة، ليبدأ حمام الدم في جل أزقة وشوارع الدار البيضاء. وقد بينت التحريات فيما بعد أن الرصاص كان يستهدف الرأس والصدر والقلب. وقد رمي هؤلاء الشهداء في حفر بشكل جماعي، في مقابر جماعية سرية من بينها ثكنة عسكرية تابعة لرجال المطافئ بالقرب من الحي المحمدي، وتقول بعض التقارير إن بعضهم دفنوا وهم كانوا ما يزالون يئنون من جراحهم. « [3]

هذه الأحداث التي خلفت الآلاف من القتلى والجرحى والعديد من المقابر الجماعية والقبور الفردية وذاكرة منقوشة بالدم والرصاص لم تطوى بعد. لا بد من رد الاعتبار للمغاربة في شقه المادي والمعنوي والفردي والجماعي وخصوصا اعتذار الدولة الممثلة في رأسها، أي محمد السادس ونقول هذا بكل وضوح وبدون لف ولا دوران، كما أن الالتزام بعدم تكرار ما قام به نظام الحكم وإعطاء الضمانات الكافية لذلك مطلب ضروري ومؤكد لطي هذه الصفحة، وهذا ما لن يحصل بدون ليِّ للأذرع.

وبالنسبة للإعلام العمومي والشبه عمومي، الذي يموله المغاربة قسرا من جيوبهم، فهو يمر مرور الكرام، حسي مسي، على هذه المجزرة وكأن لسان حاله يدعو لنسيان دموية الحسن الثاني والذي لا زالت صوره تملأ الشاشات والقاعات الرسمية والغير رسمية. وهذه طبعا سياسة رسمية. الدولة عندما يتعلق الأمر بجرائمها فهي تصاب بالزهايمر حاد وعندما يتعلق الأمر باحتفالات من نوع »ثورة الملك على الشعب »  عفوا »ثورة الملك والشعب » وما إلى ذلك فذاكرتها تصبح فجأة مثل الفولاد.

في سياق مشابه نود القيام بمقارنة ولو بشكل سريع ومبسط. فما أشبه الأمس باليوم، إن رفع الأسعار الحالي من طرف حكومة الملك والنقاش الدائر حول قانونحماية قادة العسكر بالإضافة إلى الوثيرة المتسارعة للحركات الاحتجاجية والإضرابات والاضطرابات والوقفات ربما يكون من مقدمات انتفاضة أو انتفاضات من طينة ما وقع في الدار البيضاء سنة 1981 أو يكون أكثر شراسة وعلم ذلك عند الدولة. كما أن ما حصل هذه الأيام بدوار الشليحات بإقليم العرائش من تدخل بالقنابل المسيلة للدموع والحجارة والهراوات (حسب فرع الجمعية المغربية لحقوق الانسان) وحماية المستثمر الأجنبي المخل بالتزاماته وما يحدث في مدن أخرى مثل امزورن وآيت بوعياش يدعم القراءة التي نحاول أن نعطي للأحداث.

وأخيرا نعيد طرح نفس السؤال الذي طرحه فرعون زمانه ولكن هذه المرة في اتجاهه هو واتجاه وزير داخليته، هامان زمانه: « فلمن بقيت الكلمة الأخيرة والنهائية؟ هل بقيت للشارع أم للملك ؟ « . لقد مات الملك ومات وزيره  وعاش الشعب.

بقلم : محمد جعيط


[1]خطاب الحسن الثاني بمناسبة عيد الشباب، 8 يوليوز 1981

[2]انضر ملف جريدة المساء حول الموضوع بتاريخ المساء22/6/2008

[3]http://www.marxy.com/africa/morocco/june-glorious-uprising-events-lessons061110.htm

2 Comments

Leave a Reply